مقالات رأي

يجب أن تُزال البؤرة لا مجال للتراجع

كتب الصحفي أحمد البيتاوي

بعد الغروب قصدنا بيتا نُعزي بآخر الشهــ.ــداء، على مدخل البلدة جنودٌ متأهبون، يقفون بأسلحتهم خلف مركبتهم المصفّحة.

سماء البلدة تختلف عن غيرها، ملبّدةٌ بدخان عظيم يأتي من جبالها، شوارعها كذلك، أحجارٌ بأحجام مختلفة على أطرافها وبقايا إطارات وسواتر .

صور الشهـ.ـداء تتزاحم على جدرانها، وعبارات تحدٍ خطها الشبان، وكأنك تعيش مشهداً من زمن الانتفــ.ــاضــة الأولى بعنفوانها، قبل أن يخطفها سياسيو أوسلو .

في بيتا يفرح الناجحون والمتخرجون والخاطبون والمنجِبون على خجل، يخطفون شيئاً من السعادة على استحياء، وكأنهم فعلوا شائنة أو ارتكبوا جريمة .

في بيتا شبانٌ يقظون على مدار الساعة، يتناوبون في الفعاليات، مُنظّمون، يعرفون الصادق من الكاذب، من يريد العون، ومن يريد سرقة إنجازهم وركوب موجتهم، يلفظونه سريعاً من بين أظهرهم .

في بيتا شبانٌ نزعوا عن أنفسهم عصبية الحمولة وخلعوا عنهم التعصب للحزب، وحلَّ مكانها الانحياز لبيتا الأرض والوطن .

تمشي بين الناس، فتسمع لغةً واحدةً وخطاباً واحداً، مطلبهم بسيط ٌ بعيدٌ عن تعقيدات السياسة وإسهابات المحللين:”يجب أن تُزال البؤرة، لا مجال للتراجع”، أما الشاكون وهم قلة، فلاذوا بالصمت خوفاً من أن تطولهم سهام النقد .

تمشي في البلدة فترى شاباً يجرُّ جسمه على عكازتين، وبعدها بأمتار ترى ثانٍ وثالث ورابع وخامس، فتعرف أنهم كانوا على “الجيل” كما يحلو للبيتاوية تسميته، نالهم من بطش الاحتلال ما نالهم.

مكان العزاء كان مكتظاً بالآلاف، أفواجٌ تحضر وتغادر سريعاً لتفسح المجال لأفواج جديدة، طوابير سيارات طويلة تبحث عن مكان تقف فيه ولو كان على بعد خمسمائة متر .

في بيتا شهـ.ـيد يسلّم الراية لشهـ.ـيد، وأســير يلحق بأســير، وجريح يواسي جريح، أما إذا سألتم عن المعنويات فهي تناطح الجبال، لا تفتر ولا تخبو ولا تتراجع، لا ندم ولا يأس ولا ضجر، هدفهم واحد أن تظل بيتا خالية من المستوطنات، كانت كذلك قديماً وستبقى .

مقالات ذات صلة

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى