مقالات رأي
أخر الأخبار

القدس التي تُحــرِّرنا

الكاتبة| لمى خاطر

 

منذ بداية شهر رمضان المبارك، كانت تحركات الاحتلال في القدس ومحيط المسجد الأقصى تبدو كأنها تنتهج محاولة فرض واقع جديد على المدينة وساحاتها الحيوية، بأن تحظر الوجود الفلسطيني الكثيف فيها، وكأن النية كانت تتجه لتحييدها عن أي دور لفعل شعبي مناهض لسياسات الاحتلال في حال أقدم على خطوات تهـويــديــه جديدة متعلقة بالقدس والمسجد الأقصى.

من جهة أخرى يبدو أن المؤسسة الصــهـــيونيـــة بتفرعاتها المختلفة، سياسية وعســكريـــة، وصولاً إلى أذرعها الاستيــطانيـــة، ما زالت تحاول ردّ الاعتبار لهيبتها التي انكسرت في هبــة باب الأسباط عام 2017، حينما ألزمت هذه الهبــة الاحتلال بالتراجع عن تركيب البوابات الإلكترونية، منكسراً أمام إرادة الجماهير داخل القدس.

اليوم تعود القدس لتتصدر المشهد، متحــررة من تــرهيــب الاحتلال من جهة، ومن إكراهات التغوّل الأمنـي السلطــوي التي أفسدت ساحة الضفة من جهة أخرى، ومنطلقة قبل كل ذلك من بدهية أن القدس خط أحمر، وأنها كانت وستظل أصل الصــراع وعنوان الوجود، والرمزية المتداخلة مع الهوية الدينية والوطنيــة، مما يعني أنها ستظل مفتاح الصراع على هذه الأرض، والأرضية التي تنضج عليها ظروف الثورات، وتتهيأ فيها إمكانات الانبعاث، وتجديد العزائم والهمم، حتى ومفردات الواقع المادية تشي بوجود ركام كبير من الانكسارات، والضعف المتراكم، والتراجع الواسع في الاستعداد، وشحّ إرادة المواصلة، وانغلاق آفاق التحدي.

في هبـة القدس هذه، كما في غيرها، لا ينحصر مداها في كسر إرادة المحتــل، ومفاجأته بتوفر إرادة الفعل والمجــابهــة، وبتجديد دماء الانتفــاض، وتنويع آلياته، وعدم التهيّب من التبعات، بل إن مدى هذه الهبّــات يتسع ويمتد ليحــرر كل ساحاتنا من جمودها، وليرسي في ربوعها سارية الوعي والنهوض، حين يحيلها إلى أصل الصــراع وكنه المعركة، واضعاً كل فلسطيني فيها أمام مسؤولياته مباشرة.

تُحــرّرنا القدس دائماً من كل أثقال المراحل المعتمة، تخلّصنا من أدران التيه، وتعيد إلينا ألق البدايات، وتجدد فينا المعاني الغائبة، وتمتّن أواصرها، وتذكّرنا بأننا في فلسطين نعيش في بركة وافرة رغم كل ما نعانيه من ضيق وحصار وملاحقات، هي بركة وجود الأقصى عندنا، ووجودنا في أكناف بيت المقدس، وأي رمزية أعمق من هذا الوجود لكي نظلّ مشحونين بإملاءات الواجب، ولكي تستعصي هممنا على الانطفاء ؟

ولعل السؤال المهم اليوم هو: كيف تغدو هذه الهبــات المباركة في ساحات القدس حالة دائمة، وليست فعلاً مؤقتاً؟ كيف تصبح لبنة أساسية في مشروع التحــرر الواسع، ووقوداً له؟ وكيف تحافظ على ريادتها وألقها بحيث لا يطفئها أي مسار آخر؟ وكيف نصنع منها حالة وعي عامة تسكن المجموع وتختمر بها ذاكرته، فلا يعود ممكناً نسيانها أو التخلص من آثارها أو التحوّل عنها؟

مقالات ذات صلة

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى