مقالات رأي

قرار النيابة العامة بإغلاق “جي ميديا” عدوان على الدستور

بقلم: د. عصام عابدين

لا توجد حماية دستورية أقوى من الحماية التي منحها القانون الأساسي الفلسطيني المعدل (الدستور) لوسائل الإعلام، لذلك نجد أن إرادة المشرّع الدستوري واضحت تماماً وحاسمة في المادة (27) فقرة (3) من القانون الأساسي التي شددت على أن “تحظر الرقابة على وسائل الإعلام، ولا يجوز إنذارها أو وقفها أو مصادرتها أو إلغاؤها أو فرض قيود عليها إلا وفقاً للقانون وبموجب حكم قضائي”.

وهذا يعني، بوضوح، أنه لا بد من توفر شرطين دستوريين، في آن معاً، لإمكانية فرض أي قيد على وسائل الإعلام؛ الأول وجود نص قانوني، وهذا لا يكفي وحده على فرض وجوده، والثاني صدور “حكم قضائي” أي حكم فاصل في الدعوى إلى جانب النص القانوني الذي يفرض القيد على وسائل الإعلام. وينبغي للنص القانوني، وللحكم القضائي أيضاً، أن يحترم الاتفاقيات والمعايير الدولية لحقوق الإنسان وفي مقدمتها حرية الرأي والإعلام باعتبارها مرآة الحقوق والحريات وأكسجين الديمقراطية والمقياس الحقيقي للأداء الديمقراطي.

وجوب اجتماع الشرطين الدستوريين، في آن معاً، لإمكانية فرض أيّ قيد على وسائل الإعلام، واضحٌ تماماً، في المادة (27) فقرة (3) سالفة الذكر من القانون الأساسي باستخدام عبارة (إلا وفقاً للقانون “و” بموجب حكم قضائي) أي أنه لا يكفي وجود نص قانوني يقيد وسائل الإعلام؛ سواءً تحت عنوان الترخيص أو غيره، وإنما يتوجب صدور حكم قانوني، إلى جانب النص القانوني، وذلك لإمكانية فرض أي قيد على وسائل الإعلام، وهذا ما حرص عليه المشرّع الدستوري باستخدام حرف العطف (و) وعدم استخدام (أو) في النص الدستوري للحيلولة دون فرض أي شكل من أشكال الرقابة على وسائل الإعلام من خلال نص في القانون فقط، ما لم يكن هناك حكم قضائي – أي حكم فاصل في الدعوى وليس أمر قضائي- إلى جانب النص القانوني.

وبذلك تتضح قوة الحماية الدستورية الممنوحة لوسائل الإعلام في القانون الأساسي من خلال الحماية القضائية بالحكم الفاصل في الدعوى، ومن خلال تمكين وسائل الإعلام من حقها الكامل في ضمانات المحاكمة العادلة في مواجهة أية قيود يتم فرضها على وسائل الإعلام، وهي حقوق طبيعية ودستورية مكفولة بموجب القانون الأساسي (الدستور) واتفاقيات ومعايير حقوق الإنسان.

إن قرار إغلاق وكالة جي ميديا، بشكوى من وزارة الإعلام، وقرار من النيابة العامة؛ سواءً بذريعة الترخيص أو أية ذريعة أخرى تؤدي إلى فرض أي قيد على وسائل الإعلام، يشكل عدواناً سافراً على الدستور الذي لم يكتفِ في المادة (27) فقرة (3) بحظر الرقابة على وسائل الإعلام وعدم جواز إنذارها أو وقفها أو مصادرتها أو إلغائها، وإنما ذهب أبعد من ذلك في الحماية الدستورية أيضاً من خلال إضافة عبارة “أو فرض قيود عليها” وهي عبارة مفتوحة وتعني عدم جواز فرض أي قيد أياً كان شكله على وسائل الإعلام ما لم يكن هناك نص قانوني “و” حكم قضائي فاصل في الدعوى وتمكينها من حقها الكامل في الحماية القضائية ومن التمتع بكامل ضمانات المحاكمة العادلة.

ينبغي التذكير، بأن انتهاك حرية وسائل الإعلام والحماية الدستورية (القوية) التي منحها المشرّع الدستوري الفلسطيني لوسائل الإعلام من خلال المادة (27) فقرة (3) من القانون الأساسي، الواردة في الباب الثاني تحت عنوان الحقوق والحريات العامة، يشكل (جريمة دستورية) موصوفة بموجب نص المادة (32) من القانون الأساسي (الدستور) تستوجب المساءلة والتعويض ولا تسقط بالتقادم.

لا أرى عدواناً على المبادىء والقيم الدستورية، وحقوق وكرامة الناس، أخطر من العدوان الذي يُمارس من قبل النيابة العامة ويتصاعد يوماً بعد الآخر، وقد باتت أداة، بل الأداة الأخطر، على القانون الأساسي (الدستور) الحقوق والحريات، ولا يمكن القول بأن النيابة العامة، والحالة الكارثية تلك، مفوضة من المجتمع بدعوى الحق العام، أو أنها خصم عام وعادل في دعوى الحق العام، فهذا كلامٌ يُلقى على عواهنه ولا رصيد له في حراسة العدالة الجنائية، وإنما يمكن القول بأن النيابة العامة فقدت شرعيتها الدستورية وفقدت التفويض الشعبي بعدوانها على الدستور والمشروعية، وهذا ما ينطبق على القضاء عندما يشارك النيابة العامة في انتهاك الحقوق الدستورية بأشكال عديدة منها نهج التوقيف وتمديد التوقيف واستخدامة كعقوبة على ممارسة المواطنين لحقوقهم المكفولة في الدستور، مقابل الصمت الممزوج بالتواطؤ أمام جرائم ممنهجة (جرائم دولية) تُمارسها السلطة التنفيذية وأجهزتها، على رؤوس الاشهاد، للنيل من حقوق وكرامة الناس. وبذلك، يشتد الطغيان، ويعم الفساد، ويتحكم الطغاة بحقوق ومصير العباد من خلال أدوا…

مقالات ذات صلة

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى