مقالات رأي
أخر الأخبار

الحدّ الفاصل بين الإخلاص والرياء

الكاتب| جواد بحر

 

اقرأ بتأنٍّ وترَوٍّ
هو كالشعرة، لكنه ليس خافيا بالمرّة؛ من لم يعرفْه يوشك أن ييأس من نفسه ومن رحمة ربّه؛ ولا بدّ من البيان.

وتقدّم في منشور سابق التمييز بين القلب والنفس، وأن الإنسان غير مسؤول عما يدور في نفسه من معانٍ لا يرضاها؛ وهو أيضا غير آثم بها إلا إذا رضيها القلب وأثّرت في اتخاذ قراراته الإرادية.

فلنطبّق ما تقدّم على ما نحن بصدده من بيان الفرق بين الإخلاص والرياء..

إذا رأيتَ معنى قام في ذاتك الداخلية مما تخشى منه، وفي حالتنا هنا هو الرياء؛ إذا رأيت هذا المعنى قام في ذاتك الداخلية، فانظر إلى حالك: هل أنت راض به؟ هذا المعنى الذي تخشاه على ذاتك جاء في الحقيقة من جهة النفس، التي هي محل الشهوات، والرياء جزء من الشهوات؛ أما الموقف منه، رضا أو رفضا، فهو من حركة المعاني الإيمانية التي محلّها القلب؛ فإذا سُرّت ذاتك الداخلية بما وسوست به النفس من نظر إلى مقام عند الناس مثلا أثناء عمل من أعمالك الصالحة، فهذا السرور والرضا والقبول هو ما يُسمى شرعا بالرياء، نعوذ بالله منه؛ أما إذا رفضت الذات الداخلية هذه المعاني الشهوانية، من طلب النفس لمقام لها عند الناس بسبب عمل صالح يوفّق إليه الإنسان، فرفْض الذات الداخلية لهذه المعاني هو الإخلاص؛ وتذكّر قوله صلى الله عليه وسلم حينما سألوه: إنا نجد في أنفسنا ما يتعاظم أحدنا أن يتكلم به؛ قال: (وقد وجدتموه؟)، قالوا: نعم؛ قال: (ذاك صريح الإيمان)؛ ليس صريح الإيمان هنا هو وجود هذه المعاني في النفس، بل صريح الإيمان هو رفضها الذي عبّروا عنه بقولهم: (يتعاظم أحدنا أن يتكلم به)؛ وعليه، فهو معنى موجود في الذات الداخلية، في دائرة النفس منها؛ ورفضُه آتٍ من جهة الإيمان الذي هو صريحه كما ذكر صلى الله عليه وسلم، والمعلوم أن محل الإيمان هو القلب.

فلاحظ نفسك وقلبك: لن تتركك النفس تعمل شيئا إلا سوّلت لك بمعان يَبطل بها عملك إذا رضِيتَ به؛ فانظر إلى قلبك ورضاه وإبائه؛ ثم اعرف نفسك مخلصا أو مرائيا.

هذا كلّه إذا انبعثْتَ إلى العمل الصالح بإخلاص أولا، ثم جاءت الوسوسة محاولة إبطاله، فحينها حافظ على عملك، وكن خائفا عليه، وارتعش وارتعد وارهب اليوم الآخر، وعقاب الله تعالى اللاحق بك إن رضيت بوسوسة النفس والشيطان؛ إن جهادك للمعاني المبطِلة الآتية من جهة النفس، هو ما قال عنه صلى الله عليه وسلم: (والمجاهد من جاهد نفسه).

لكن، إذا انبعثْتَ إلى العمل الصالح قاصدا أصلا رؤية الناس ومدحهم، فأنتَ مراءٍ من أصلك، فأسرع بالتوبة، واستحضر نية الإخلاص؛ كل هذا بخلاف الذي تقدّم حاله، فذلك رياؤه عارض مبطل لعمله إن رضي به؛ لذا: حاول أن تستحضر معاني الإخلاص من البداية، وحافظ على النية حتى النهاية؛ فإذا انتهيت منه، فحاول نسيان أنك عملت خيرا، أو قمت بعبادة ما.

مقالات ذات صلة

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى