مقالات رأي

“عداد أيام”.. عن مرح بكير في ذكرى الـ14 رصاصة

الكاتبة: شذى حسن

14 رصاصة اخترقت جسد طفلة، جالسة على ركبتيها يحاوطها جنود الاحتلال من كل صوب وحدب، تنزف بغزارة، لم يكن عقلها الطفولي حينها يستوعب هذا الحدث، ساعات عديدة تركها الجندي تنزف بلا شفقة، فيديو إصابة الطفلة مرح بكير اخترق قلب كل من شاهده على مواقع التواصل الاجتماعي، وصف الآلام شيء يأخذ من المرء طاقة ليست باليسيرة، مهما قيل وكتب عن مرح، لن نستطيع أن نصف سخونة الرصاصات على جسدها الصغير، ونتساءل دومًا هل كان الرصاص قاسيًا على يديها اليسرى، أم أن وجع قلبها والخوف الذي دب في أطراف طفلة كان أقوى.

كانت تحتاج أن تشد على يد والدتها لتخبرها بأن رؤية الدماء تصيبها بالإعياء، ولكن حتى بعد أن تم نقلها للمشفى منعها الاحتلال من رؤية ابنتها الصغيرة، شاهدت طفلتها فقد عبر الفيديو المتداول لإطلاق النار، “هي مرح، لا مش بنتي بس هاي شالتها”، لحظة عدم التصديق باغتتها بقوة، “لا، يلا شوي وبتيجي من المدرسة”، الصدمة كانت أقوى من صوت الـ 14 رصاصة، لكن بكاء صديقة مرح وصوتها المحشرج بالدموع كان الفيصل.

مر اليوم، ولكن ظلت الذكرى المشؤومة تلاحق العائلة في العاشر من نوفمبر من كل عام، خمس سنوات وما زالت الرصاصات النارية ومشهد مرح المضرجة بالدماء أمام عيني والدتها حاضرًا بكل ما أوتي من ألم،ندبة قلبها لم ولن تُشفى مهما مرت سنوات وسنوات، رعشة جسدها في كل مرة تكون أقوى مما سبق. وحين حكمت محكمة الاحتلال على مرح بالسجن لمدة ثمانية أعوام ونصف، نزل الخبر كالصاعقة على العائلة، أجمل سنين عمر فتاتهم الصغيرة ستذهب سدى خلف قضبان لعينة.

لكن مرح القيادية الشجاعة من أول يوم في الأسر كان لها حضورها الطاغي بحبها ورقتها، وكلما مرت الأعوام نضجت مرح أكثر، فتجربة السجن صقلتها من جديد فتنقلها من سجن لسجن جعلها إنسانة اجتماعية لها وجهة نظرها الخاصة ورأيها القوي التي لا تخجل من إبدائه أمام الغير، وذلك عكس ما كانت عليه مرح قبل الاعتقال والإصابة. مرح بالرغم من صغر سنها تولت مهمة “ممثلة الأسيرات” في سجن الدامون، تطلب حقوقهن من السجان، تبذل جهدًا مضاعفًا لتستمع لهن وتلبية احتياجاتهن.

لم أخبركم ببداية حكاية يوم الرصاصات الغادرة؛ يوم كانت مرح في طريق عودتها من المدرسة، حقيبتها ممتلئة بالكتب، تفكر في سنتها الدراسية الحاسمة فهي كانت في الثانوية العامة، تسير طريقها المعتاد في إحدى شوارع القدس المؤدّية إلى بيتها الكائن في بيت حنينا في القدس المحتلة، لتتفاجأ عند وصولها حي الشيخ جراح بطلقات نارية انهمرت عليها من قبل جنود الاحتلال بزعمهم أنها تنوي تنفيذ عملية طعن، ومن ثم اعتقالها وهي مُصابة ويدها اليسرى تنزف دمًا. تم نقلها إلى مستشفى هداسا عين كارم لإجراء عملية جراحية لإخراج الرصاصات من يدها، ومكوثها هناك وقتًا طويلًا وهي على سرير المشفى مقيدة اليدين والرجلين.

بعد إجراء عمليتين في يدها، تم نقل الأسيرة مرح إلى سجن عسقلان، سيء السمعة، ومن ثم نقلها إلى سجن الرملة، وصولًا إلى سجن هشارون، حيث كانت تمكث الأسيرات الفلسطينيات في ذاك الوقت، ومكثت مرح مع مجموعة من الأسيرات القاصرات التي كانت تجمعهن زنزانة واحدة.

الصغيرة البالغة من العمر حينئذٍ 16 عامًا كان عبء حمل رصاصات نارية في يديها قاس عليها، كان من المفترض أن تحمل كتاب اللغة العربية لتجد وتجتهد لتحصل على المعدل الذي تريده، ولكنها بالرغم من نفسيتها المدمرة إلا أنها تحدت نفسها والاحتلال ونجحت في الثانوية العامة بمعدل 80%. كانت تحلم بدراسة السكرتارية الطبية، ولكن لاعتقالها الدور في تحويل مسار الحلم لدراسة القانون، ولكن الاحتلال حرمها أيضًا من الدراسة، وبالرغم من ذلك ما زالت لديها أحلامها لتحققها يوم تحررها.

في مطلع نيسان/ أبريل 2017، أي بعد عامين تقريبًا من اعتقالها، وبعد مرارة المحاكم وتأجيلها في كل مرة، تم الحكم على مرح بالسجن لمدة 8 أعوام ونصف، الأمر الذي لم يكن سهلًا لا على مرح ولا على عائلتها، فهذه أعوام كثيرة ستقضيها مرح، بهجة المنزل وروحه، بعيدة عن منزلها ودفء عائلتها. ستكبر بعيدًا عن عيني أمها وأبيها. هل تعرف ماذا يعني أن تغيب طفلة عن عيون أمها 8 سنوات ونصف؟! وتقضي هذه الأعوام تحت حكم سجان ظالم!

قدر الله أن ألتقي مع مرح في سجن الدامون أثناء فترة اعتقالي، وعشت معها في نفس الغرفة. كانت تتسم بروح معنوية عالية وهمة تناطح السماء، رغم إصابتها، ورغم أنها تصغرني سنًا، إلا أنني كنت أستمد الأمل منها والقوة من عزيمتها. كيف لطفلة سُرقت منها طفولتها في غياهب السجون أن تكون بكل هذا الإشراق والأمل؟

وجدت في مرح الكثير من المرح، فهي اسم على مسمى فعلًا رغم السجن وظلمه، فكان لها ضحكة مميزة، وما إن ضحكت ضحك القسم كله. طباخة ماهرة، تصنع ألذ الحلويات بالرغم من قلة الإمكانيات في السجن، وقارئة مستلذة؛ تحيطها الكتب، وتجدها بين الكتب والروايات. يمكنني القول إن السجن لم يتمكن من مرح وعزيمتها بل تمكنت هي منه.

ورغم ما عانت وعايشت وتحملت الكثير، إلا أنها لم تكن تحتمل وداع الأسيرات حين خروجهن من الأسر، وتمتلكها الكثير من الدموع ما يعبر عن رقة قلبها الكبيرة. أمّا عن بريق الأمل في عيون مرح حال سماعها أخبار عن صفقة قريبة من الأمور التي لن أنساها، فكانت عيونها تحكي ما في قلبها، توقها الشديد للحرية والعودة إلى أحضان عائلتها وتحقيق أحلامها، جعلها تتشبث بأي خبر يتم تداولها عن صفقة تشمل الأسيرات.

مقالات ذات صلة

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى