مقالات رأي

موازين قرائية في التعامل بين البشر ..قواعد في العدل والانصاف..فلماذا نتنكبها ؟!

كتب الشيخ ماجد حسن ...

عندما خلق الله البشر، جعل التعارف هو الأساس الذي تقوم عليه العلاقة فيما بينهم علاقة ،مصداقا لقوله جل وعلا “يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا ۚ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ “.

كما جعل العدل ميزانا للتحاكم بينهم،واكد على ان هذا الميزان ينبغي ان يكون حاضرا في حياتهم،ولا يستثنى منه أحدا حتى لو كانوا اعداءً “يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ ۖ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَىٰ أَلَّا تَعْدِلُوا ۚ اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ ۖ وَاتَّقُوا اللَّهَ ۚ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ “.

كما انه سبحانه انكر على الذين يعممون في الحكم على البشر،واكد على فردية التبعة بخصوص الاعمال من حيث العقاب والثواب،وهذا ما استفاض في تفسيره الشـــهــيد سيد قطب ،عندما تحدث عن تفسير الآية القرآنية “وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ ۚ وَإِن تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إِلَىٰ حِمْلِهَا لَا يُحْمَلْ مِنْهُ شَىْءٌ وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَىٰٓ”.

وهذا الامر لا يتعارض مع مضمون الآية الكريمة “وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَّا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنكُمْ خَاصَّةً ۖ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ ” فهذه جاءت في سياق استفزاز المؤمنين للأمر بالمعرف والنهي عن المنكر،والوقوف في وجه العصاة الظالمين والمنحرفين عن شرع الله، ولا تأتي في سياق تحميلهم مسؤولية ما قام به الظالمون،وانما سياق تحذيرهم بانه ستصيبهم تداعيات الظلم والفسوق والعصيان الذين يقوم به افراد المجتمع الظالمين،وخصوصا اذا كانوا الاغلبية،ويمنع عنهم ذلك امرهم بالمعروف ونهيم عن المنكر ووقوفهم امام الظلم والظالمين، كما اكد سبحانه على ان الخلاف بين الناس لا ينبغي ان ينسي الفضل فيما بينهم(وَلَا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ).

وللاسف،والمرارة تعتمل في القلب،فان هذه الموزين القرآنية الاصيلة قد ضرب به عرض الحائط بين البشر ،ولم يسلم منها من ينتمون الى الفكرة الاسلامية،فعندما يختلف احدنا مع الاخر في وجهات النظر او المواقف سواء كانت فكرية او فقهية او سياسية او تنظيمية،فانه لا يقيم وزنا للعدالة،ويستدعي الى ذاكرته كل المساوئ في خصمه،ويقوم بتضخيمها،وكان خصمه لم يجني في حياته حسنة تُذكر،ولم يقترف الا الموبقات والشرور،بل يتعدى الحكم عند هؤلاء البشر الى تعميم خطا هذا الخصم الى عائلته او الى أبناء بلده او الى تنظيمه وحركته. و الانكى من كل ذلك هو نسيان كل المودة والفضل والأيام الجميلة التي عاشها هؤلاء المختصمين فيما بينهم،وبدل ان يتحول هذا الفضل الى كوابح، تكبح نزعة العداء والحقد التي تعتمل في النفس ضد الخصم،يتحول هذا الفضل -الذي كان يوما ما بين المتخاصمين- الى مادة تُؤجج نار الحريق الذي يلتهم الانفس والقلوب!

يا هؤلاء..رويدكم قليلا…لا تنتصروا لانفسكم،ولا تنتصروا لهواكم ولا تنتصروا لمصالحكم ..بل انتصروا للحق والعدل الذي امركم ربكم به،خصوصا عندما يكون هذا الحق واضحا وضوح الشمس..وان لم يكن واضحا فتحروه بطرقه ووسائله..ففيه صلاحكم وصلاح نفوسكم..وفيه سلامتكم من ظلام الظلم والعدوان، واثاره الماحقة في الدنيا قبل الآخرة!

يا هؤلاء..موازين رب العالمين احق ان تُتبع..فلماذا تتنكبوها ؟!

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك رد

إغلاق