google-site-verification=hcqt9fvFXHq7jqeEnsVHWdVAylzbAEgdBbAbt15dI9E
مقالات رأي
أخر الأخبار

الائمة والمساجد وصناعة الثورة؟!

الكاتب| وليد الهودلي

يحكى أنّه في زمن التخلف والهزيمة، زمن الدولة العربية المنبطحة البليدة، كان هناك منصب كبير تحت منزلة الوزير بقليل، هو منصب ناطور النواطير، هو مسئول عن نواطير المساجد ( هكذا هو يراهم نواطير وليسوا أئمة) يحركهم حيث يريد الاسياد والاكارم، وعندما هرول ناطور دولة الامارات بكل سفاهة وصفاقة، ولحقت به دولة البحرين بناطورها الاشمّ صاحب السيادة والامارة، فارتمت في حضن دولة بني صهــيـــون الرفعة والاناقة!

اتصل سيد مخابرات البلد بناطور النواطير وطلب منه أن يهاجم هذه الهرولة في خطبة جمعة في مسجد المدينة الكبير، وأن يبثّها على تلفاز البلد المباشر وأن يعمّم موضوعها على كل الائمة والمساجد، وعليه أن يسبّ ويشتم ويلعن “سنسفيل” هذه الدول المارقة ولا يبقي ولا يذر الا ويرميهم من سجيل قاموسه ويقذفهم بأكبر قنابله وحممه البركانية خاصة دولة الامارات الإسرائيلية(على حدّ تعبيره) والدولة المارقة البحرينية.

– ولكن سيّدي كنا من سنين طويلة نوقف كلّ إمام يلمّح على هذه الدول ونعتبره اعتداء صارخ على المصالح الوطنيّة. لديّ إمام مثلا وبعد خدمة أربع وعشرين سنة هجرية طردناه شرّ طردة من ديوان الائمة لأنه لمّح على السعودية حيث بلّغنا ناطورنا هناك بأنه اعتدى على سياستنا الشرعيّة، حيث وصف الدولة التي ترعى الحجيج الذين يطوفون حول الكعبة بأنها تطوف في الفلك الأمريكي والإسرائيلي.

– كفى هراء، منذ متى تناقشنا؟ أنسيت كيف عيّناك وجعلناك ناطورا على كلّ النواطير، حضرتك تنفّذ ولا تناقش أبدا وإلا كان مصيرك مصير ذاك الامام.” الى هنا القصة”

لماذا يُمسخ دور الامام بهذا الشكل المهين، فقط يريدون له أن يكون ناطورا كما هم مجرّد نواطير لمن هو أعلى منهم، ولمن يرسمون السياسات ويريدون قيادة القطيع الى حيث يريد اسيادهم، شعوبنا أعلى وأجلّ من أن تكون قطيعا كما يريدون فمن يقول لا اله الا الله وهي عماد هذا الدين وروح هذه المساجد ينبغي أن يتحرروا من كلّ شيء سوى الله، ينبغي لمن يعتقد بهذه الكلمة ويحمل التوحيد راسخا في قلبه أن يكون أعظم الناس حريّة وأكثرهم حرصا وفعلا على أن يعيش هو وأمته معيشة الحريّة وفي أوطان تقدّس الحرية وتقيمها على أصولها راسية قوية، تماما كما فهمها عمر بن الخطاب من معين كلمة التوحيد وقالها لمن أراد أن يستعبد الناس ويسوقهم كما يُساق القطيع: “متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارا”.

فالمسجد هو المكان الذي تترسّخ فيه كلمة التوحيد وبالتالي هو المصنع الذي يصنع الحريّة كقيمة عليا في الحياة ثم يتقن زراعتها في قلوب المصلين، والامام هو حادي مسيرة الحرية والاحرار، ينبغي أن يكون هو حرّا أولا ليتسنّى له زراعة الحرية في قلوب الناس، والامام الذي يرض العبوديّة لنفسه لا يمكن أن يزرع الحرية في قلوب العباد.

فلنبدأ إذا بتحرير الائمة ولا نتعامل معهم هذا التعامل الرخيص الذي يجعل منهم عبيدا ومجرّد نواطير: يفتح المسجد ويحرسه من كل عين لامّة ومن كلّ كلمة حرّة ويرعى الناس حيث المراعي التي تريدها الدولة ويجنبهم أي مرعى يزرع فيهم الثــورة.

لماذا هذا المسخ للائمة في رواتبهم المسحوقة والتوجيهات والتعاليم الموتورة التي تجعل منهم مجرّد أداة طيّعة لا حول لها ولا قوة ولا رأيا ولا اجتهادا ولا إبداعا ولا أي خروج عن سطورهم المنبطحة المسقوفة بالعجز والجبن والخور، لا خروج عن السطر الا الى حيث الزنازين والطّرد من رحمة الوظيفة وشقائها وشغف العيش وسوء العاقبة.

لماذا هذا المسخ للائمة تحت سياسة العصا والجزرة، مطرقة الراتب وسندان مخافة الفقر.

هناك ايات وسور قرانية يخشى الائمة أن يتناولوها في دروسهم وخطبهم خشيتهم من الفقر او الموت، فالدين إما أن يكون دين ثــورة او ان يكون دين تنويم وأفيون للشعوب كما قالها ماو سي تونغ ، ديننا بالعكس تماما دين ثورة وتفعيل كامل لإرادة الحياة والتغيير والصلاح والسيادة والحرية وتحقيق الكرامة. وإن لم يتقن الامام هذا الفهم ويصدّر خطابه بهذه الروح راح للحديث عن الطلاق والميراث وعدة المرأة وحيضها ونفاسها وبعض المظاهر الاجتماعية والعادات السلوكية التي لا تغضب أحدا، يصبح هناك معادلة وتفاهم ضمني بينه وبين سياسة الدولة، الحكم والسياسة والمال والقوة والجيش والامن والقصر لقيصر ولإمام المسجد أن لا يتعدّى خطابه عتبة المسجد.

وما أحوج الناس في بلادنا الى رسالة المسجد إذا أقيمت على أصولها ولم تتقزّم كما هو حالها هذه الأيام:

• فالمسجد بالإمكان أن يكون مؤسسة بإدارة تطوّعية من قبل الكفاءات الموجودة إذا تحرّك الامام بقدرات إدارية جيّدة فهو بيت الله بمعنى أن فيه الملاذ الى الله وهذا يعني أن من يلوذ اليه من المفترض أن يجد من يحاول تحقيق حكمة الله من وجود المسجد في الحياة العامة واهمها الاخوة الايمانية التي يتحقق فيها التكافل والتعاضد الاجتماعي كالجسد الواحد كما وصفه الباني الاوّل للمسجد رسول الإسلام.

هذه الأيام تجد من يصلي ويرتاد المسجد سنوات دون أن يحاول التعرف على احد ، هناك فصل بين العبادة والمظهر الاجتماعي للعبادة، أوّل أهداف المسجد أن يحقّق المظهر الاجتماعي للعبادة ليحقق مجتمعا متكافلا خاصة هذا المجتمع الذي يقع تحت ويلات الاحتلال فياتي المسجد ليخفّف عن المكروبين والمتضرّرين وليشبّك بين الفقير والغنيّ والمكروب والميسور … الخ

• بإمكان المسجد أن يحقّق بيئة تربوية ترعى الاخلاق وتنبت من يلوذ اليه نباتا حسنا خاصة الأطفال والفتيان والفتيات، بسهولة يرعى المسجد دور القران فهما وتدبر لا اقتصارا على الحفظ والتسميع لانهم في خوف من المراقبة والسلطان، عندما يعتاد أطفالنا ارتياد المساجد وتجد هناك من يرعاهم تربويا ويزرع في قلوبهم قيم الحرية ودور الاسلام العظيم في الحياة فإنك تنشئ جيلا للنصر والتحرير والنهضة والتغيير، هذه الأيام مع تجفيف الينابيع عن المساجد وملاحقة الكفاءات الدينية الحرّة، ساءت الاخلاق وانتشرت الجــريمــة وأصبح المجتمع مريضا بأمراض لا يسهل علاجها دون إعادة المسجد الى دوره الريادي.

• وبإمكان المسجد أن يكون منتدى ثقافيا مفتوحا للناس لنقاش القضايا المهمة ولتلاقح الأفكار وتطوير ثقافة المجتمع في كل مناحي الحياة فقط مجرّد تشكيل لجنة ثقافية من نشطاء المسجد ورسم خطة ووضع برنامج ثم انظر ماذا ستنتج، اذا كانت اللجان الثقافية في السجون الإسرائيلية قد نجحت نجاحا باهرا وصنعت في واقع الأســـر مساحة للحرية ارتقى فيها الأســرى ثقافيا فما بالنا في المساجد؟ الا نستطيع فعل ذلك لو أدركنا حقيقة دور المسجد ورسالته الشاملة في مجتمعاتنا.

وهذا يرجعنا الى دور الامام حيث ينبغي أن يكون قائدا ومرشدا وموجّها ومعلما ومطوّرا ومديرا لمؤسسة تشرف على هداية الناس وايصالهم الى سبل الرشاد..هو الذي يعيد للمسجد روحه ودوره المنشود، فليعمل وليستفيد وليدير الكفاءات التي تصلّي خلفه وليفتح لها المجال للتطوّع وسيجد ذلك ان أراد مهما كانت الظروف صعبة وقاسية. فما توقّف مطلب انت طالبه بربّك.

مقالات ذات صلة

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى