مقالات رأي

لم يقل يوسف لأخيه أنا يوسف بل قال “أنا أخوك”

الكاتب: ساري عرابي

وكانت آية الأخوة المواساة وجبر الخاطر، فقال له “لا تبتئس”، أي لا تحزن ولا تهتمّ بما كانوا يعملون، وذلك بعد أن ضمّه إليه، وقد قيل إنه أنزل إخوته كل اثنين في منزل، أو في فراش واحد، وجعل بنيامين منفردًا ليضمّه إليه ويعظّم مواساته.

ومثير للانتباه أنّ ما قاله يوسف لأخيه “فَلا تَبتَئِس بِما كانوا يَعمَلونَ”، قال تعالى لنوح عليه السلام مثله: “وَأوحِيَ إِلى نوحٍ أَنَّهُ لَن يُؤمِنَ مِن قَومِكَ إِلّا مَن قَد آمَنَ فَلا تَبتَئِس بِما كانوا يَفعَلونَ”، فيبدو أنّ المرار الذي تجرّعه نوح من “إخوته” أي قومه، في مئات السنين، تجرّع مثله بنيامين في قليل من السنوات، فالشعور بالخيبة والقهر يزداد كلما ضاقت دائرة القرابة، ولا شيء يكسر من حدّة الإحساس بالقهر إلا المواساة الأخوية.

وفي زحمة التدافع والصراع، والأذى الناجم عن الخلطة بالناس دعوة إلى الله وأمرًا بالمعروف ونهيًا عن المنكر وجهــادًا، لا شيء يحتاجه الأخ إلا أخوة تواسيه، يأنس بها وتطبب جراحه وتداوي نفسه المكلومة، وتعوضه عن بعض خسائر هذا التدافع، ومن ذلك قوله صلّى الله عليه وسلم: “فو الله إني لأعطي الرجل وأدع الرجل والذي أدع أحبّ إليّ من الذي أعطي، ولكن أعطي أقوامًا لما أرى في قلوبهم من الجزع والهلع، وأكل أقوامًا إلى ما جعل الله في قلوبهم من الغنى والخير، فيهم عمرو بن تغلب”، قال عمرو بن تغلب: فو الله ما أحب أن لي بكلمة رسول الله صلى الله عليه وسلم حمر النعم.

أو كما قال النبيّ صلّى الله عليه وسلم للأنصار: “أترضون أن يذهب الناس بالشاة والبعير، وتذهبون بالنبي صلى الله عليه وسلم إلى رحالكم؟ لولا الهجرة لكنت امرأ من الأنصار..”، وقد ضمّ يوسف أخاه إلى رحله من قبل، وقال له: أنا أخوك!

والذي يلاحظ في مثل يوسف عليه السلام، ومحمد صلّى الله عليه وسلم، الحساسية العالية تجاه الآخرين، والرحمة الغامرة، التي لا ينتقص منها الحزم ولا شدة التدبير، “بالمؤمنين رؤوف رحيم”، ولعلّ كثيرًا من الأنبياء نشؤوا أيتامًا، أو في حكم الأيتام، لما يتركه اليتم في نفس المرء من شفافية تمنع السلبية، وتكبح الأنانية، وتكشف أوجاع الناس، وتميز بين الحق والباطل. “أَلَم يَجِدكَ يَتيمًا فَآوى”.. “فَأَمَّا اليَتيمَ فَلا تَقهَر”.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك رد

إغلاق