مقالات رأي

المصالحة في نسختها الجديدة وردود الأفعال

الكاتب: مهدي الحنبلي

انطلق قطار المصالحة في نسخته الجديدة، وأقول في نسخته الجديدة نظرا لأن النسخ القديمة كلها باءت بالفشل، والسبب الرئيس الذي حكم على جميع النسخ القديمة بالفشل، كان ارتهان القرار الفلسطيني الرسمي للإملاءات الخارجية، خاصة الصهيــونيـــة والأمريكية، وكانت السلطة تحاور حــمـ ـ!س بهدف الضغط على الجانب الصهيـــونـــي لتحقيق مكاسب سياسية على مائدة المفاوضات مع المحتل، ولم يكن لدى السلطة أي نية للوصول في المفاوضات مع حــمــ !س إلى شراكة سياسية حقيقية في مجمل القرار الفلسطيني.

لذلك ومع انطلاق قطار المصالحة في نسخته الجديدة، تفاوتت ردود الأفعال على هذه النسخة الجديدة، محليا وإقليميا، والكل يتساءل ما الذي تغير حتى تكون هذه النسخة الجديدة مختلفة عن سابقاتها؟

لا يخفى على أحد أن الأساس السياسي والقانوني للمشروع الوطني الفلسطيني الحالي والمتمثل بالسلطة الفلسطينية هو اتفاق أوسلو، لذلك شكل هذا الاتفاق المرجعية السياسية والقانونية لكل اتفاقات السلطة…وعليه فإن أي اتفاق تعقده السلطة مع أي كان، لا بد وأن لا يتعارض هذا الاتفاق مع الالتزامات التي وقعت عليها السلطة ضمن اتفاق أوسلو، وكلنا شاهد وعايش كيف كانت توقف سلطات الاحتلال تحويل الأموال إلى خزينة السلطة، عندما كانت السلطة تحيد عن أي من التزاماتها وفقا لاتفاق أوسلو، وكذلك الحال بالنسبة للمساعدات الأمريكية.

لذلك الكل يتساءل ما الجديد الذي تغير ليكتب لهذه النسخة الجديدة النجاح؟
الجديد أن الإدارة الأمريكية بقيادة ترامب، نقلت سفارتها إلى القدس في اعتراف صريح وواضح بالقدس عاصمة موحدة للكيان الصهيـــونـــي وأعلنت صفقة القرن، وهاتين الخطوتين تتنكر للحق الفلسطيني في تقرير المصير، وأصبحت هذه الإدارة تضغط على السلطة الفلسطينية لكي تقبل بحكم ذاتي ممسوخ تحت مسمى دولة إرضاء للطرف الفلسطيني.

وأعلنت سلطات الاحتلال قرارا بضم الاغوار الفلسطينية في خطوة تعتبر تهديد استراتيجي لنشوء الدولة الفلسطينية الموعودة، إضافة إلى انطلاق قطار التطبيع الذي ابتدأ بالإمارات مرورا بالبحرين وصولا إلى السودان .

كل هذه الخطوات الأربعة افقدت السلطة الفلسطينية الأمل في قيام دولة مستقلة، وأفقدتها كذلك أوراق الضغط في معركة المفاوضات مع المحتــل، وأصبحت هذه الخطوات الأربعة آليات لتصفية القضية الفلسطينية، ووأد الحلم الفلسطيني في إقامة دولته الفلسطينية المستقلة القابلة للحياة، لذلك كان لا بد من العودة إلى الشارع الفلسطيني واللجوء إلى خيار الوحدة مع حــمــ!س لمجابهة كل هذه التحديات التي تنوء بحملها الجبال، والبحث مع حــمــ!س عن خيارات مجابهة هذه التحديات في إطار المقـــاومـــة الشعبية العريضة والتي من المفروض ان تكون مقبولة دوليا كنموذج كفاحي لإحباط مخططات المحتـل ومن وراءه، في تصفية القضية الفلسطينية.

هذه التحديات الأربعة، أصبحت كمتغيرات جديدة طرأت على الوضع الفلسطيني، وبالتالي فإن هذه المتغيرات جعلت حركة فتح كقائدة لمشروع السلطة الفلسطينية، تتجه نحو حــمــ!س، لمجابهة هذه التحديات.

قطار المصالحة في نسخته الجديدة مر لغاية اللحظة بثلاثة محطات:
الأولى: المؤتمر الصحفي المشترك بين الرجوب و العاروري
الثانية: اجتماع الأمناء العامين للفصائل الفلسطينية
الثالثة: لقاء إسطنبول بين الحركتين

ومما لا شك فيه، فإن التدرج في السير نحو المصالحة عبر هذه المحطات الثلاثة لغاية اللحظة، فيه نوع من الجدية، وتفاوتت ردود الأفعال على سير قطار المصالحة عبر هذه المحطات، وذلك كالآتي:

داخليا:

وهو البعد الأهم، فإن فشل النسخ القديمة للمصالحة، أوجد حالة كبيرة من الشك لدى الشارع الفلسطيني في إمكانية نجاح هذه النسخة، وما يتم طرحه من قضايا وبرامج لإنجاح المصالحة، لا بد له من حاضنة شعبية تحمي وتنفذ هذه البرامج، لذلك يجب إعادة الثقة إلى الشارع الفلسطيني والعمل على إزالة كل الشكوك التي تدور بخلد أبناء شعبنا الفلسطيني، حتى يصل إلى قناعة بأن ما يدور من حوارات هو حقيقي وجاد، وليس من باب المناورة السياسية لكي يتم الضغط فقط على الجانب الصهيــونـــي لتحقيق مكاسب سياسية على مائدة المفاوضات من جديد، وبعد ذلك تعود حليمة لعادتها القديمة.

وأول وأهم خطوة لإعادة الثقة للشارع الفلسطيني، هو اطلاق الحريات ووقف الاعتقال السياسي، وثانيها وقف ومحاربة الفساد في مؤسسات السلطة، وثالثها وقف ظاهرة الاستقواء بالسلاح وما ينتج عنها من مظاهر الفلتان الأمني.

إن اتخاذ قرارات وخطوات عملية على الأرض، لتحقيق هذه الأمور الثلاثة، من شأنه أن يعيد الثقة إلى الشارع الفلسطيني وبالتالي يكون هذا الشارع حاضنا للمشروع الوطني ومستعدا للتضحية من أجل إنقاذ هذا المشروع.

إن شعبا حرا عزيزا كريما، فقط يكون قادرا على خوض معركة الحرية والكرامة والاستقلال ، اما شعبا مكبلا ملاحقا من الأجهزة الأمنية الأوسلوية، لن يكون قادرا على المشاركة في أي شكل من الأشكال في مجابهة إجراءات الاحتلال في تصفية القضية الفلسطينية ولن يعطي الثقة لأي مشروع ولو كان “تحت مسمى وطني” وهو ملاحق من قبل أجهزة هذا المشروع الوطني.

وخلاصة القول، فإن الشك هو الحالة المسيطرة على الداخل الفلسطيني فيما يتعلق بجدية الخطوات نحو المصالحة وتحقيق الوحدة الوطنية، وإطلاق الحريات ووقف التنسيق الأمني مع الاحتلال هي كلمة السر لإزالة حالة الشك ..هذه هذا داخليا.

اما إقليميا :

مصر: ردة الفعل كانت دموية من خلال قتل الصيادين الفلسطينيين بدم بارد من قبل حرس الحدود المصري، خاصة بعد لقاء إسطنبول.

الأردن: ترحيل المناضــل نزار التميمي من الأردن والحاق الأذى نتيجة لذلك بالأسيــرة المحــررة أحلام التميمي.

السعودية: تصريحات بندر بن سلطان الأخيرة بخصوص انتقاده لموقف السلطة المعارض للهرولة نحو التطبيع.

فهل ستصمد السلطة وفتح أمام كل هذه التحديات والضغوطات من الإقليم؟

اما دوليا:

فأزعم أن هناك حالة من التأييد الدولي خاصة من الدول الفاعلة، لإجراء المصالحة وتحقيق الوحدة الوطنية باستثناء الأمريكان ، وازعم أنه إن صدقت النوايا باتجاه إنهاء الانقسام وتحقيق الوحدة الوطنية، فإننا سنكون مقدمون على حالة كفاحية نوعية، لأن حجر الأساس في نجاح المشروع الوطني الفلسطيني، هو تحقيق الوحدة الوطنية عبر شراكة سياسية حقيقية تتيح للجميع المشاركة الفاعلة في القرار الفلسطيني، واعتبر هذه النسخة الجديدة للمصالحة الفرصة الأخيرة لإنقاذ ما تبقى من المشروع الوطني الفلسطيني.

اما إن كانت هذه النسخة الجديدة مناورة أخرى وشكل آخر من أوراق الضغط لتحقيق مكاسب سياسية على مائدة المفاوضات مع المحتل، فسيكون ذلك بداية انهيار السلطة وسقوطها من الداخل.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك رد

إغلاق