أخبار

“قلعة البرقاوي”.. حكاية صمود ونضال بين أروقة التاريخ

على بعد بضعة كيلو مترات إلى الجنوب الشرقي لمدينة طولكرم، وفي قرية تعرف بقرية “شوفة” أي المشرفة أو المُطلِة، والتي سميت كذلك لأنها تطل على ساحل البحر الأبيض المتوسط الواقع غربها، وتعلوه بحوالي (300متر)، تقع قلعة عريقة بماضيها، شامخة بحاضرها، قلعة البرقاوي أو قلعة شوفة والتي ينطوي بين أسوارها روايات ووقائع تاريخية، منها ما أرخ وعرفه الناس، ومنها ما آثر أن يبقى سراً بين جنباتها، فأسوار هذه القلعة تُخفي أكثر مما تُظهر.

لقرية شوفة تاريخٌ قديم يعود للفترة الرومانية والبيزنطية، فقد كانت ثكنة عسكرية للجيش الروماني في الحقبة الرومانية، وقد وجد بساحة القرية الشرقية قبر روماني من الحجر الجيري، كما عثر على قطع فخارية تعود للحقبتين المذكورتين، وفي جهتي القرية الجنوبية والغربية مجموعة من أبراج رومانية استخدمت لأغراض عدة منها؛ المرابطة، وتقديم الخدمات في الطرق الرئيسية، وهذا يدلنا إلى أن قرية شوفة كانت تقع على طريق روماني هام في تلك الحقبة، ولم تقتصر الآثار في القرية على الآثار الرومانية والبيزنطية فقد تنوعت الحضارات التي تعاقبت عليها وخلفت تراثاً وآثاراً، ففيها مسجد أثري، وخربة النصارى، وخلة الكنيسة، وتل الشومر، وبئر العدس، وخربة دير ابان، وأخيراً قلعة البرقاوي مقصد حديثنا.

تعد تسمية القلعة بالبرقاوي نسبة لشيوخ آل البرقاوي، فمن آل البرقاوي التي سميت القلعة التاريخية باسمهم؟

عشيرة البرقاوي من عشيرة آل سيف وهم من أمراء طرابلس الشام، وقد نزلوا برقة (وهي إحدى قرى نابلس)، ومنها خرج منهم ثلاثة فروع، واحد توطن بقرية شوفة، وواحد في قرية ذنابة، وآخر فرع توطن في كفر اللبد.

أما آل البرقاوي فقد توطنوا في قرية شوفة وتولوا زعامتها في الفترة العثمانية، وفي رواية أخرى ترى أنهم نزحوا من الأندلس ونزلوا برقة من ليبيا ثم نزحوا إلى برقة قضاء غزة ليستقروا أخيراً في طولكرم، وعلى الرغم من اختلاف الروايات حولهم إلا أنه لا يُختلف بعراقة أصلهم ونسبهم ولعل التاريخ يشهد على بطولاتهم وتضحياتهم، ومن زعمائهم الشيخ غازي وابن أخيه الشيخ خليل، وأيضاً الشيخ عيسى، ولكل واحد منهم بصمة في تاريخ النضال والتصدي لأي عدوان.

وقد بنى آل البرقاوي هذه القلعة منذ استلام العثمانيين الحكم لبلاد الشام 1516م، لتبدأ رحلة الدفاع والتصدي لمختلف الهجمات كحملة نابليون بونابرت عام 1799م، وقد استشهد في هذه الواقعة الشيخ خليل البرقاوي، كما ووقفت القلعة مرتدية درع التصدي في محاربة جيش محمد علي باشا وابنه إبراهيم باشا والجيش المصري وذلك بعام 1831م، كما واحتضنت هذه القلعة في تاريخها جزءاً من تاريخ فلسطين الحديث لتكون مقراً للثوار عام 1936م حيث كانت نعمَ المقر والمخبأ، أما اليوم فهي نعمَ المزار ونعمَ المتنفس لمن أراد أن يشتم رائحة التاريخ العبقة.

تتألف القلعة التاريخية الشامخة من تسوية سفلية تحتوي عدداً من الغرف، والمشاغل، والمخازن والآبار، ليعلوها طابقان مع غرف تزيد عن 25 غرفة كبيرة الحجم، كما ضمت القلعة الساحات ومرابط للخيل داخل واجهات الحجر وقد خُصصت غرفة قريبة من الإسطبلات للعبيد؛ للاهتمام بالخيول وتربية المواشي، ووجد بها إيوان، ومعصرة زيتون، وأدراج حجرية.

وقلعة بهذا الحجم وبتاريخ نضالي مشرف بالطبع ضمت سراديب وأنفاق محفورة في باطن الصخر تمتد لمسافات بعيدة وكلها متصلة مع بعضها البعض، ولعل ما يميز هذه القلعة أنها بنيت على أساسات رومانية أي أن عدداً من الصخور يعود للفترة الرومانية، ليأتي فن العمارة العثماني ويضفي عليها طابعه الخاص والمميز كالقباب، والأبواب الكبيرة، والزخارف المعمارية.

التاريخ إن أهمل ضاع واندثر وهو ليس حال هذه القلعة؛ فقد شهدت العديد من أعمال البناء والترميم من قبل وزارة السياحة والآثار لتغدو مزاراً سياحياً شامخاً راسخاً على هذه الأرض المباركة، التي احتضنت معالم دينية، وأثرية، وتاريخية، لتريَ المحتل أنها أقوى وأعتى من كل محاولاته في خلق تاريخ لنفسه على أرض ليست له بل على أرض نبذته، فقلعة البرقاوي صمدت بأسوارها وحجارتها أمام أي خطر وأمام أي عدو حاول أن يغير في طابعها، لتنذر بذلك المحتل أن لا يحاول الاقتراب منها، فالتاريخ على الرغم من أن القوي يكتبه إلا أن الحق ينتصر بالنهاية فهذه عدالة الكون!

المصدر: شبكة قدس الإخبارية

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك رد

إغلاق