مقالات رأي

من فضائل الانتفاضة

الكاتب | ساجي أبو عذبة

من أهم فضائل الانتفاضة أنها تعيد صياغة الوعي الفردي والجماعي، وتشكل مطرقةً ضد اللامبالاة والتهرب المقصود، وتجدد إحياء المعاني المفقودة في الجيل الفلسطيني الجديد، وإهمال هذا البعد “التعبوي المعنوي” للقضية ومفاهيمها والاقتصار على النتيجة السياسية الملموسة الآنية من أسباب الاختلاف في تقييم الانتفاضة.

جيلنا لم يشارك في أحداث انتفاضة الأقصى لكنه كان شاهداً على أحداثها ومسيرتها، وشتان بين من يشهد الأحداث وبين من يصنعها، كنا صغاراً نركض خلف المسيرات وجنائز السادة الشهداء، نفرح بمنع التجول وبالترويحة من المدرسة، نهتف مع كل الفصائل ونتسمر أمام الشاشة العبرية نقدر ونخمن فهم الأرقام عند كل عمل فدائي، كنا نقف عند كل جدار نضرب التحية لصور الأبطال، ونهتف في إذاعة المدرسة “لا صوت يعلو فوق صوت الانتفاضة”، ونحتفل إذا سرقنا رايةً او وشاحاً من إحدى المهرجانات.

ما لم تدركه عقولنا بالأمس أدركناه اليوم، أن الانتفاضة ليست مجرد سنوات وأحداث، إنما هي ذكريات وتاريخ وحاضر ومستقبل، هي من تلك الأشياء التي تصوغ الوجدان والوعي والضمير والأشواق والأشجان والذاكرة والحب والغضب ومقاومة النسيان.

في إهدائه لموسوعته يقول المفكر عبد الوهاب المسيري:
“جاء مجلسي إلى جوار عجوز من أتباع الشيخ عز الدين القسام (رحمه الله) قـال: “كنا نعلم تمام العلم أن أسلحتنا العثمانية عتيقة، وأننا كلما اشتبكنا مع الصهاينة والإنجليز فإنهم يحصدوننا حصداً برصاصهم، كما فعلوا مع ابننا الشهيد. ومع هذا كنا ننزل كل ليلة من قرانا كي ننازلهم”. فسألته: “لمَ؟” صمت العجوز قليلاً ثم تحرك كأنه جبل قديم من جبال فلسطين وقال: “حتى لا ننسى الأرض والبلاد.. حتى لا ينسى أحد الوطن”.

لهذا ولغيره من المعاني المشتركة والمجبولة التي لا تُشترى في الفعل “نفض” كانت الانتفاضة أكبر من أن تؤرخ بسنوات مباركات.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك رد

إغلاق