مقالات رأي
أخر الأخبار

الليلة الأولى في سجــن الدامون (2)

الكاتبة| شذى ماجد حسن

من أكثر الأمور صعوبة هي أن تكتب وجعك أو تفاصيل تتناساها وتحاول جاهداً أن لا تعود لها أو تتذكرها، ربما لهذا السبب أطلت في الكتابة عن هذه الجزئية بالذات، فالليلة الأولى في السجن وإدراكي أنني سأقضي مدة زمنية في هذا المكان البشع كانت من أكثر الأمور الموجعة التي تعرضت لها في رحلة الأســر.. ولكنني بمعية الله ولطفه وكرمه نجوت وتجاوزت، فالحمدلله من قبل ومن بعد.

عُدت إلى الطاولة لأكمل غذائي وأنا ما زلت في حالة شرود تام لكل هذا الظلم والذل.. انتهينا من وجبة الغداء وتساعدنا على تنظيف الطاولة، وأتيت لأساعدهن في تنظيف الأطباق فلم يسمحنَّ لي لأني أســيرة جديدة ويجب علي أن ارتاح.. فابتسمت لهن على لطفهنَّ.. مع أنني كنت محرجة جداً وبالحقيقة لا أدري ماذا أفعل، وها هي المرة الأولى في حياتي التي أشعر أنني غير قادرة على خلق حديث أو تجاوز الإحراج بأي شيء، وكنت أشعر أن شيء ما يُقيدني سواء من ناحية الحديث أو الحركة في الغرفة أو حتى المجاملة.. وبقيت أمرر نظري خارج الغرفة وذهني خارج هذا المكان كله..
بدد شرودي صوت الأســيــرة شاتيلا أبو عيادة: “والله اهلاً وسهلاً بأم الشوش، هذا بُرشك” وأشارت لي إلى البرش العلوي.. ثم أضافت: “يعني رح تكوني جارتي وضحكت” أمّا أنا فابتسمت.. لأني طيلة حياتي وأنا أتمنى أن يكون لدينا سرير بطابقين وأنا آخذ الطابق العلوي، ولكنني الذي لم أتوقعه أبداً أن تُحقق أمنيتي الطفولية البريئة ببرش علوي في السجــن..!

حقاً لا أدري كيف مرت هذه الساعة ولا أذكر إذا تحدثت بشيء آخر من شدة شرودي وإحراجي.. وفجأة علا صوت في كل القسم: “تويوول بَنووت تويول”.. فنظرتُ إلى الأسيــرات اللواتي معي في الغرفة بنظرة تقول: “ماذا تعني هذه الكلمات؟” فقبل أن يُجبن على تساؤلي.. عَلا صوت من إحدى الأسيـــرات: “يااااا بناااات فوووورة”.. كانت الساعة الرابعة عصراً وهذا موعد الفورة الثالثة والأخيرة عند الأسيـــرات.. التي تستمر لمدة ساعتين بإمكاننا بها التنقل بين الغرف أو المشي في ساحة الفورة أو الاستحمام.

وأنا أكثر شيء كنت أحتاجه في هذه اللحظة الاستحمام لأنني طيلة الأيام في معبار الشـــارون لم أستطع الاستحمام إلا مرة واحدة وعلى مضض، لأن الحمام لا يوجد له باب.. فخرجت من باب الغرفة متجهة إلى غرفة بيان فرعون لأقول لها أني أريد الاستحمام.. فأتى صوت من ورائي ينادي: ” شذى شذى” فأزحت بوجهي لأرى الأسيــرة نورهان عواد والأسيــرة الحبيبة أنسام شواهنة تبستمان لي بابتسامة كلها أمل وطاقة ايجابية ، فابتسمت لهن.. قالتا لي بأنهن يردن الحديث معي قليلاً.. وعدنا إلى الغرفة، تعرفنا على بعضنا البعض.. ثم قالت لي نورهان: “أعطيني ايدك شوي” ثم ألبستني إسوارة مصنوعة من خرز جميل اللون، قامت هي بصناعتها لي عند معرفتها بقدومي إلى القسم.. فأخفت آثار الكلبشات على يدي اليمنى بهذه الإسوارة الجميلة الناعمة.. ثم قامتا بإعطائي كيس يحتوي على كل احتياجاتي من ملابس، وفرشاة أسنان وشعر وباقي الاحتياجات.. وشرحتا لي بأن هذه المستلزمات هي من حق كل أسيــرة جديدة من الكنتنيا العامة.. وتحدثنا قليلاً عن أعمارنا وأحكامنا.. أوجعني وفي ذات الوقت واسني وشعرت أنني بلا حُكم عندما قالت لي نورهان” أنا محكومة 10 سنوات قربت أخلص منهم 5 سنوات”.. ثم قالت أنسام: “وأنا محكومة 5 سنوات ضايل منهم سنة وشوي”.. فقلت في قرارة نفسي: “ما قيمة الـ 3 شهور التي أثكلت ظهرك يا شذى أمام هذه السنوات؟ يا الله..!”

ذهبتُ للاستحمام، ولم تكن الحمامات أفضل بكثير من حمامات معبار الشارون، فأيضاً لم يكن هنالك باب لحمام الاستحمام، فقط ستارة تُحلق عالياً كلما هبت نسمة هواء.. فتنهدت وقلت: “يا رب صبرنا حتى بأبسط حقوقنا مُحاربين ونمارسها بعدم راحة..!”

انتهيت من الاستحمام وخرجت من الباب لأسمع أصوات كل من في الفورة: “نعيماً شذى” “شذى ى نعيماً” “نعيييماً نعييماً” فضحكت.. وظننت لأنني أسيــرة جديدة كل هذا الاحتفاء.. لأكتشف لاحقاً أنه حال كل من تستحم وتخرج، كنوع من اللطف وخلق الأجواء في ساحة الفورة..

لم يتبقَ سوى القليل للفورة، تحدثتُ مع بيان قليلاً ومن ثم عَلا الصوت المزعج الذي كرهته وما زلت أكرهه للآن: ” إسكراااة بنوووت إسكراااة” فقد أصبحت الساعة السادسة وهو موعد انتهاء الفورة ويجب علينا الآن العودة إلى الغرف.. ليدخل العدد ويتم تسكير القسم كاملاً للساعة السابعة من صباح اليوم التالي.. قالت لي شاتيلا: “هسا رح يدخل كمان عدد وهو العدد الأخير لليوم، إذا حكالك ضابط العدد “شذى” بتحكي حسن، وإذا حكى “حسن” بتحكي شذى تمام؟”.. فهذا من بعض بروتوكولاتهم أثناء عمليــة العد.. بقينا في ملابس الصلاة ننتظر دخول العدد، دقائق والصوت يعود “إسفرااااة بنوووت إسفراااااة.. عدددد عدددد” كان عدد السجانين والسجانات أكثر من عددهم في عدد الساعة الثالثة.. العملية ذاتها “1 2 3 4 5 6”.. وخبطة الباب المزعجة ذاتها! وصوت الأقفال الأكثر إزعاجاً التي بدأت السجانة تضعها على الباب..

بعد قليل سمعت صوت إحداهن تنادي بصوت عالي: “شذى شذى” وإذ هو صوت بيان من غرفتها على الجهة المقابلة للغرفة التي أمكث بها.. أجبتها: “نعمم؟” فقالت:”أمك وصاحبتك حكو على الإذاعة بسلمو عليك كتير وبكرة بحكيلك شو حكو كمان، تصبحي على خير..” لم أجبها لأن دموعي تغلبت عليي وبدأت بالبكاء، فروحي تتوق إلى سماعِ ولو حرف واحد منهم، ولسوء حظي لم تكن الإذاعة تأتي بغرفتنا بسبب برودة الجو.. لمن كان أســير\ة يعي جيداً ماذا تعني الإذاعة لنا.. وما حجم القهر عندما يتكلم أحد من أهلك ولا تسمعه..!

طبطبن الأسيـــرات اللواتي معي في الغرفة بكلماتهن الحانية عليي.. فلم أستطع إلا أن أبتسم وأمسح دموعي مع أنني لو بقيت يوم كامل أبكي لِما كفاني فصعوبة الأمر على نفسي وبُعدي عن أهلي وأحبتي كان أوجع مما تخيلت وتوقعت..! ولكن من المؤكد أن كل أسيــرة في الغرفة لها همها فلم أرد أن أزدها عليهن..

صلينا العشاء جماعة، ثم قامت شاتيلا بتحضير طاولة مليئة بالحاجات وصنعت لي النسكافيه لأنني قلت لها أنني أحبه، وجمعتنا هذه الطاولة لأتعرف عليهن، على أسمائهن مرة أخرى وأحكامهن.. بضحكة عفوية قالت:

– “أنا شاتيلا أبو عيادة من كفر قاسم، محكومة 16 سنة وضحكت” بهذا الوقت صدقاً لم أدرِ ماذا أقول، كل هذه المعنويات والطاقة الإيجابية من كان يدري أنه يثقل ظهرها حُكم 16 سنة؟.. ابتسمت لها وقلت: “مش رح تكمليهم إن شاء الله”..
ثم أكملت الخالة أم مصعب:
– “وأنا آسيا كعابنة محكومة 3 سنوات ونصف”
– “وأنا أمينة محمود محكومة سنتين و 8 شهور”
– “أنا أزهار من مخيم جنين الصمود لسا موقوفة”
والخالة أم محمد كانت نائمة على برشها لأنها مصــابة وموجوعة، محكومة بـ 5 شهور..

فابتسمت ابتسامة خجلة وقلت: “أنا شذى حسن ومستحية أحيلكم إنه حكمي 3 شهور إداري..” وبالفعل كنت خجلة فماذا تعني 3 شهور أمام 16 عام؟! شعرت أنهن بلا قيمة ولم يبقَ سوى القليل وأعود، ولكن كيف سأتركهن ورائي؟ وبدأت نخزات القهر تجتاح قلبي مرة أخرى.. عند حديثهنّ عن حياة السجن وما لاقينّ وعانينّ.. عن توقهنّ للحرية وشوقهنّ للأهل والأحبة.. لم أستطع التحمل أكثر، فاستأذنت منهن وقلت أنني أريد أن أنام.. وبالفعل كنت أريد أن أهرب.. ذَهبت كل واحدة منا إلى برشها وتفرقنا، وكل واحدة انشغلت بأمر ما، لكنني كنت على ثقة بأن قلوبنا تحمل ذات الشوق والتوق والوجع والظلم..!

قبل أن أنام خط قلمي على أسطر دفتر مذكراتي:
“حياة السجــن مقيتة وسيئة، لكنه السجن، قدري وأمر الله الذي لا مفره منه، وبه الخير الكثير الذي أجهله..فالحمدلله رب العالمين نشهــده أننا رضينا..!”

وأغمضت عيني لأنام.. ولكن في تلك الليلة لم تنم لا عيني ولا قلبي..

أعان الله من تركتهنّ ورائي يكابدنّ ظلم السجن والسجان والشوق يملأ قلوبهن، وهَون عليهنّ الأيام والليالي والساعات..

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك رد

إغلاق