ملف خاص

القيادة الوطنية الموحدة.. صمام من أخطار مرعبة تُحدق بالقضية

لا أحد يشك أن وحدة الفلسطينيين الآن هو مربط الفرس للتصدّي لمشروع الاحتلال المنفتح علانية بالتطبيع على دول عربية وسط دعم أمريكي وغربي. 

الحديث عن قيادة وطنية موحّدة يأتي الآن في مشهد سياسي مختلف، ويشكل ضرورة بعد إدراك الكل الفلسطينيين أن برنامجًا فلسطينيًّا موحّدًا هو جدارهم الأخير لإنقاذ فلسطين.

وكان الأمناء العامون للفصائل الفلسطينية رحبوا مؤخراً خلال اجتماعهم ببيروت بدعوة رئيس السلطة محمود عباس، لتشكيل قيادة وطنية تقود فعاليات المقاومة الشعبية السلمية، وعقد حوار وطني شامل.

فكرة القيادة الوطنية الشعبية الموحّدة ليست حديثة في تاريخ الثورة الفلسطينية، وحركات التحرر في العصر الحديث، لكنها الآن بحاجة لخطوات عملية تحدد مفهومها وآليات عملها في المرحلة الحالية.

وحدة العمل والبرنامج

النيّات الصادقة للفصائل الفلسطينية، وتطوير فكرة تأسيس مرجعيات ومؤسسات وطنية جامعة نوقشت مراراً لسنوات، وقد بدأت تمضي قدماً الآن بعد تطوّر مشهد الصراع مع الاحتلال وفقدان الفلسطيني أكتافاً دافئة من محيطه الإقليمي.

وعدّ رئيس المكتب السياسي لحركة حماس إسماعيل هنية لقاء الأمناء العامّين بمنزلة لقاء وطني تاريخي، وأن الشعب الفلسطيني سيظل موحدًا داخل فلسطين خارجها في مرحلة تحمل مخاطر إستراتيجية للقضية في إطار “صفقة القرن” والضم (السلب) والتطبيع.

ويرى المحلل السياسي إبراهيم حبيب أن طرح فكرة القيادة الوطنية الموحدة للمقاومة الشعبية هي خطوة أولى في طريق تحقيق الوحدة الفلسطينية لكنها بحاجة لخطوات عملية.

ويضيف: “نترقب بناء على أسس متينة، لكننا لم نعرف تفاصيل الأهداف والإطار الفعلي وحدود العمل هل ستكون جزءًا من إدارة سياسية أم لا”.

الحديث عن مقاومة شعبية وطنية موحدة يضم جميع أشكال النضال الوطني بدءًا من العمل الشعبي والسلمي وصولاً إلى أدوات حركات التحرر المسلحة، وهناك تجربة مختلفة لحدّ ما في تاريخ القضية إبان انتفاضة 1987م، وثورة 1936م تختلف عن الحالة الآن في الموقع والتوقيت.

ويقول طلال أبو ظريفة، عضو القيادة السياسية للجبهة الديمقراطية: إن القيادة الوطنية الشعبية الموحدة هدفها الأساسي توحيد الإمكانات والطاقات واستخدام التكتيكات لاستنهاض العمل الجماهيري ومواجهة التهويد والاستيطان، لكنها بحاجة لتحديد أدوات ميدانية.

ويتابع: “اجتماع الأمناء العامين يمثل الكل الفلسطيني، وعملياً لابد من لجان فاعلة أينما وجد الفلسطيني في غزة والضفة والشتات وأرض 48 لمواجهة عدوان الاحتلال”.

ويترقب الفلسطينيون بارقة أمل في نجاح الوحدة الفلسطينية وتطوير أدوات المقاومة الشعبية وفق برنامج وطني شامل يتجاوز اتفاق “أوسلو”، ويحدد موقفاً من الاعتراف بدولة “إسرائيل” بإستراتيجية عمل.

ويرى المحلل السياسي محمد مصلح أن المقاومة الشعبية الموحدة موروث تاريخي كان حاضراً في الثورة الفرنسية، ودول تعرضت للاستعمار وسمتها الأساسية تكوين فعل ثوري شعبي وليس عسكرياً فقط.

ويقول مصلح: “مصطلح العمل الثوري الشعبي لا يعني بالضرورة فصائل مسلحة؛ بل يبقي الباب مفتوحاً أمام دخول شرائح المجتمع المدني وممارسة جميع أشكال النضال دون أجندة سياسية محددة، وهذه نقطة لم تُكشف صراحةً في الحالة الفلسطينية”.

تجارب سابقة

الثورة الشعبية قاعة رحبة تضم ألوانًا وطاقات شعبية تمضي للتخلص من ظلم وقع من استعمار أو احتلال، وتعتمد على تراكمية العمل ووحدة الهدف. 

وحين اندفع الناس للشوارع في انتفاضة 1987م وشارك الشعب بأكمله في ثورة 1936م، لم تغب فصائل العمل الوطني لكن الطابع الشعبي منح الميدان زخماً حاول الاحتلال إجهاضه بالالتفاف السياسي واستخدام قوى خارجية لإجهاض الثورة.

ويرفض إبراهيم حبيب -المحلل السياسي- المقارنة بين المشهد الحالي وتجربة انتفاضة الحجارة 1987م، ومرحلة ما قبل تأسيس السلطة الفلسطينية فقد كانت برامج سياسية للفصائل الفلسطينية دون وجود اختلاف كبير في الرؤية بل إجماع على أهداف المقاومة الشعبية.

ويلفت المحلل حبيب إلى تعدد وجهات نظر الفصائل الفلسطينية حول أساليب المقاومة، وظهور قوة فصيلين فلسطينيين لهما علاقات وحضور داخلي وخارجي.

تنظيم العمل النضالي الآن في مشهد مختلف عن مرحلة ما قبل اتفاق “أوسلو” ضرورة وطنية تحتاج أولاً لإنهاء الانقسام الفلسطيني بعد دوران عجلة التطبيع العربي بسرعة تخدم الاحتلال.

ويؤكد طلال أبو ظريفة -عضو القيادة السياسية للجبهة الديمقراطية- أن طرح فكرة المقاومة الشعبية الموحدة الآن تضع الكل الفلسطيني أمام مرحلة تصويب وتجميع عناصر وبنية المقاومة استفادةً من مخزون وطاقة نضالية كبيرة يمتلكها الشعب الفلسطيني.

ويدعو محمد مصلح -المحلل السياسي- الفصائل الفلسطينية إلى إشراك جميع شرائح الشعب لصياغة برنامج وطني يحدد الأهداف والبرامج لقيادة مقاومة شعبية واعتماد أدوات صريحة ومتعددة تناسب المرحلة الحالية.

وحدة قسرية

 يشرب المريض دواءه المرّ أملاً في الشفاء، ويتجشّم المسافر عناء الرحلة رغبةً في الوصول، وقد فهم الفلسطينيون أن طريقهم صعبة وعناءهم طويل، وليس لهم إلا وحدتهم ومقاومتهم التي أقرّتها الشرائع الدولية.

ويبدو المحلل حبيب متفائلاً بمستقبل العمل الوطني الفلسطيني بعد صراحة مواقف عربية وإقليمية مثلّت لسنوات حالة دعم لفلسطين، لكنها انحازت الآن لجانب الاحتلال بتطبيع كامل علاقاتها.

ويضيف: “وحدة الفلسطينيين الآن طريق قسري، وكل محاولات الوحدة في تجارب الشعوب المحتلة والدول لم تكن تاريخياً إلا قسرية في ظل اختلاف الرؤى بعد أن تأكدت أن وحدتها طريق وحيد لمواجهة الخصم وإحباط برامج أصحاب المصالح المؤقتة والنفعيين”.

وأكلت مرحلة التسوية أكثر من ربع قرن من عمر القضية الفلسطينية استفاد الاحتلال فيها بتهويد الأرض والاستيطان وخلق واقع جديد وإضعاف الموقف الفلسطيني الذي تدهورت حياته السياسية والاقتصادية.

ويؤكد المحلل مصلح أن نجاح المقاومة الشعبية الموحّدة يلزمه الاتفاق على الأدوات المرحلية؛ لأن الفعل الثوري يعتمد دائماً على المظاهر العامة، والحالة الفلسطينية الآن حالة اضطرارية.

ويتابع: “حتى تنجح القيادة الموحدة لا بد من التخلي عن أوسلو ومخرجاتها وبناء قوى سياسية تتجاوز حدود الفصائل الفلسطينية وتشرك المجتمع المدني بأكمله والتمسك بالعمل المسلح بقيادة موحدة”.

ويتفق المحلل مصلح مع المحلل حبيب أن قتامة الموقف العربي وبقاءه بين التطبيع والضعف ليس عامل إحباط للعمل الفلسطيني بل كشف الأوراق لمرحلة أسس لها الانتداب البريطاني منذ حاول تشريع وجود “إسرائيل” ودعمها الأمريكان وجنوح دول عربية للتطبيع السرّي قديماً.

صياغة العمل الوطني الفلسطيني بقيادة مقاومة شعبية موحدة هو إعادة صياغة كاملة للرؤية الفلسطينية الشاملة التي يرى المحلل مصلح أنها تضم توحيد الموقف وإعادة صياغة العلاقات مع دول الجوار وتحالفات المنطقة وفق هندسة وطنية تكافح لإنقاذ فلسطين.

المصدر:  المركز الفلسطيني للإعلام

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك رد

إغلاق