مقالات رأي
أخر الأخبار

تغير الثقافة المتدحرج

الكاتب| ساري عرابي

ينتشر على اليوتيوب فيديوهات، لسيدات وفتيات، عربيات، تحت عنوان، “روتيني اليومي/ المنزلي”، ينشرن فيه أعمالهن المنزلية، من تنظيف وغسيل وطبخ، ولكن بملابس غير محتشمة غالبًا.

المضمون تافه بلا ريب، ويتعمد الإثارة، بملامسة غرائز الذكور. انتشار الظاهرة وكثرة هذه الفيديوهات، يعني تقليد السيدات لبعضهن، واكتشافهن نجاح الفكرة في استقطاب مشاهدات عالية في وقت قصير.

الفكرة أن أكثر الناس انتشارًا على اليوتيوب، هم الأكثر سفهًا وتفاهة، وأنّ هذا الانتشار لا ينم عن ذكاء اجتماعي خارق، ولا عن إبداع في التسويق، وإنما عن قبول غير محدود للتنازل عن القيم ذات المعنى، لأجل قيم الشهرة والمال.

لو أنّ أيّ واحد منّا قرّر أن ينشر يومياته البيتية مع زوجه، كما يفعل أكثر اليوتيوبرز وضاعة، بما في ذلك من مقالب سمجة، لتمكن من اجتذاب جمهور كبير في وقت قصير. فبحكم ثقافتنا المحافظة نملك ما يكفي من الفضول للتطلع إلى ما هية هؤلاء الذين يتكسبون المال ويتوسلون الشهرة بجمال زوجاتهم وملابسهن!

المبدأ هنا واحد، لا فرق بين من يلاحق الشهرة والمال، بعرض يومياته العاديّة جدًّا مع زوجه، وبين من يفعل ذلك في حفل بهرجي على برج دبي لمعرفة جنس المولود في تقليعة سخيفة للغاية، سواء كلفت عشرات آلاف الدولارات أم عشرات الملاليم!

وجود من يدافع عن هؤلاء مفهوم، لأن القيم تنزاح بقوّة في وقت باتت فيه العائلة العربية تتقبل انزياح قميص الفتاة عن بطنها أكثر ما دام ذلك يحقق لها شهرة أكبر على التيك توك!

حتى هنا في الفيسبوك، يعتقد البعض أن قيمة المنشور بعدد المتفاعلين معه لا في مضمونه، فيجنح الكاتب المحترم، الذي كان مهموما بقضية ما، إلى مراقبة طبيعة منشوراته التي تحوز تفاعلاً أكبر، لينسج على منوالها، ولو كانت نكتًا تافهة قد تمسّ الدين، أو حكايات مختلقة عن الزوجة والوالدة والأبناء، أو يستعرض ما حباه الله به من زوجة جميلة متعلمة، إن لم يكن للشهرة، فللانتقام من ماض أخفق فيه عاطفيًّا!

شكا لي قبل أيام أخ عريق في عالم الصحافة، أن مفكرًا إستراتيجيًّا لا تحوز مقالته في موقع إلكتروني ما أكثر من 200 زيارة. فقلت له هذا عظيم، فلماذا نستقلّه؟ هو لا يكتب خبرًا ولا مقالة صحفية عادية ولا معلومة تافهة عن فنانة سخيفة. وقد كنّا فيما مضى نتخيّر من نتحدث إليهم، وننتقي من نحاضر فيهم، وكانت لدينا القدرة الكافية على التمييز بين المقامات، مقام ما يستدعي التجمهر، ومقام ما يستدعي الاصطفاء.

لكن قيم السوشيال ميديا مسخت ذلك كله!

أذكر، والحديث من الذاكرة دون مراجعة، أن إبراهيم النخعي كان إذا اجتمع إليه أكثر من ثلاثة قام خشية الشهرة، ومذهبه اليوم أكثر المذاهب انتشارًا من خلال وريثه المذهب الحنفي.

والحاصل أن النبي يأتي يوم القيامة وليس معه أحد، ويأتي ومعه الرجل والرجلان، وأن الزمن مهما فسد وانحطت قيم ناسه، فإن ما ينفع الناس هو الذي يمكث في الأرض، وأن واجبنا هو البلاغ، لا إشهار أنفسنا، والله هو الذي يقيمنا فيما نستحق من مقامات، ” إن الله بعباده لخبير بصير”.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك رد

إغلاق