مقالات رأي
أخر الأخبار

أسرى وحصار

الكاتب| محمود مرداوي

شكل الأسرى الفلسطينيون على مدار تاريخ الصراع كابوساً مؤرقاً للعدو الصهيوني.
 
هذا المعتقل المكبل المعزول خلف أسلاك شائكة وأسوار خرسانية سامكة، يواجه دولة الاحتلال بكل ما تملك دون أن يشاهد أحد في معركة مفتوحة خلف الكواليس ومن وراء الرادارات لا يفارق عقل قادة الأجهزة الأمنية والعسكرية والتخصصية الممثلة بمديرية السجون.
 
وفي الحصار المعطوف بأسوار فوقية عالية وتحتية عميقة من طبقات متعددة وفرق وألوية وعديد وعتاد مؤللة .
 
جيش، مخابرات عامة ( الشاباك)، واستخبارات عسكرية( أمان) ، ومخابرات خارجية ( موساد) والمنسق وأدواته والمنافقون والمتعاونون، يشددون الحصار ويكثفون الضغط المتواصل.
 
الأسرى في حالة نفير واستنفار ويقظة واستحضار أنهم في كماشة العزل عن العالم وإجرام كيان بما يملك من مقدرات يجعلهم دائما في حالة طوارئ وعلى أهبة الاستعداد، يحافظون على شروط حياتهم وينتهزون الفرص ويستغلون الظروف المناسبة والملائمة لقهر الجلاد وانتزاع حقوقهم في معركة يحرصون على أن لا تبقى في دائرة الأدوات وتحويلها إلى ساحة الإرادات ، حتى أصبحوا كابوسا لا يغادر تفكير مؤسسات الأمن لدى الاحتلال، بينما المحاصرون في غزة يمنعون تمادي وتوغل العدو في معادلة الردع المتبادل المنضبطة بقواعد اشتباك محددة ، يقرؤون المشهد المحلي والإقليمي والدولي ، يلجون مع شعاع النور من تصدعات وشقوق تُلحظ للضغط وانتزاع شروط حياة كريمة ومقومات صمود بمنتهى الدقة وروعة الاختيار للتوقيت وارتفاع أور النار في معادلة قل نظيرها في حروب ومواجهات العصر.
 
قابضون على الجمر وأنظارهم محدقة في الهدف ، يشكلون صداعا دائما للعدو، الأسرى غايتهم أن يبقوا متجانسين متصالحين مع مثلهم الأعلى، يحافظون على أدواتهم، يطورون من وعيهم وثقافتهم، بانتظار عودتهم إلى فضائهم الطبيعي ساحة الفعل الذي انتُزعوا منه.
 
هذه الملحمة ملحمة الإمكانات المحدودة والإرادات العظيمة مع الاحتلال تثير التساؤل؛
 
هل من المعقول الأسرى يضربون، يمتنعون عن الطعام عشرات الأيام؟
 
هل من المعقول يخضع الاحتلال ويسلم بمطالب الأسرى المجردين من كل أدوات القوة المعزولين عن العالم ؟
 
هل فعلا يشكلون كابوسا للاحتلال أم أن الاحتلال يوهمهم ويوهمنا بذلك ؟
 
تساؤلات لم تتوقف ولم تنته ولم تغب عن المجالس في الدواوين واللقاءات.
 
تساؤلات لا تتوقف ؛ هل العدو يهزم أمام غزة بتيكو لا يقدم صورة نصر حاسمة في حروب ويُهزم في معارك؟
 
هل عجز عن منع الصواريخ؟
 
هل يخشى غزة وهو يصول ويجول في الشرق غربا وشرقا عرضا وطولا ؟
 
كيف لعدو أن يرضخ لمن دونه قوة ويفعل ما تريد حسب رغبتها ولو أن الأمر
اقتصر على نقل ورقة من مكان إلى آخر وهو يذل ويستعبد دولا لديها جيوش وإمكانات ومقدرات هائلة ؟
 
الأسرى يشكلون كابوسا دائم للعدو عشرات السنين والتساؤل حاضر لا يغيب؟
 
هل يفرض الأسرى على العدو فعل ما يريدون صاغرا في معركة الإرادات ؟
 
وهل غزة الصداع الدائم للعدو تحظر عليه التباهي بالجيش الذي لا يُقهر وهو عاجز مرتبك على مدار عقد ونصف ؟
 
آن الأوان للتغيير في التفكير وفهم معادلات الصراع من زوايا وأدوات مختلفة عن التي سادت وعُرفت في الماضي.
 
آن الأوان للاعتراف بأن الأسرى الفلسطينيون يعيشون في داخل السجون بفضل الله ثم إرادتهم القوية واستعداداتهم اللامحدودة للتضحية، فعشرات الشهداء بالرصاص والإهمال والجوع والمرض وفقدان آلاف الأطنان من اللحم والدم في معارك الملح والماء والأمعاء الخاوية .
 
وفي غزة التي خاضت حروب ومعارك ومحاولات لا حصر لها لاختراق الجبهة والصفوف وأشكال وطبقات متعددة للحصار، وعشرات الآلاف من الشهدا.ء والجرحى والمعاناة حتى أصبحت غزة صداعا دائما للعدو.
 
في الأسر جرب كل الوسائل والأدوات من قمع وقتل وعزل وتجويع، وفي الحصار حروب ومعارك وقصف وهدم وإغلاق وجوع وتعطيل للحياة.
فلا هان الأسرى، ولا وهنت غزة، وباقون على العهد يشكلون الخندق المتقدم، موقنون بأنه لا يحدث في ملك الله إلا ما أراد الله ، ولا نامت أعين الجبناء.
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك رد

إغلاق