مقالات رأي

مغالطات متعمدة.. التطبيع التركي القطري والتطبيع الإماراتي

الكاتب | ساري عرابي

منذ الإعلان عن الاتفاق الإماراتي الإسرائيلي، والحديث عن سبق تركيا وقطر إلى التطبيع مع الاحتلال الإسرائيلي لا يكاد ينقطع، وبما يساوي بين تلك الأطراف، وفي سياق إمّا من المزايدة، أو بقصد التخفيف من حجم الجريمة الأخيرة في الإعلان الإماراتي الإسرائيلي. والمفارقة هنا، أنّ هذا الحديث المستمر بلا انقطاع، يصدر عن طرفين متخالفي الموقع؛ عن مروجين للسياسات الإماراتية ومدافعين عن مسلكها التطبيعي، وعن خصوم جدّيين للسياسات التطبيعية.
 
أهداف الدعاية الإماراتية من الإلحاح على من سبقها إلى مسار التطبيع واضحة، فتعدد مقترفي الخطيئة نفسها يجعل وقع الخطيئة حين تجدّدها أقل استدعاء للرفض والغضب، وهو نمط من تطبيع الناس مع الخطيئة. وبما أن المقصود خطيئة التطبيع، فهو نمط من تطبيع الناس مع التطبيع. وفي الوقت نفسه، يضرب التذكير بتطبيع تركيا وقطر؛ دعاية هذين البلدين التي تلاحق التطبيع الإماراتي الجديد بالتشهير والتعيير، في حمأة صراع إقليمي لا تظهر نهاياته حتى اللحظة.
 
فالتقاطع بين الدعاية الإماراتية، وما اصطف في خندقها من إعلام موجّه من دول أخرى تشارك الإمارات اصطفافاتها الإقليمية، وبين دعاية بعض خصوم التطبيع الذين يكادون يتركون المطبع الجديد للتذكير المستمر بالمطبعين السابقين، إنما هو (أي تقاطعهما) في النتائج، لا في النوايا والمقاصد.
 
وحتى يفهم الأمر على وجهه، فينبغي تسجيل مبدأ في مواجهة التطبيع، وهو أنّه لا يجوز استثناء مطبع من النقد، وأي عمل تطبيعي من الذم والتشهير والتعيير، بغض النظر عن الجهة التي يصدر عنها، وعن درجة اقترابها أو ابتعادها، وأنّ واجب الفلسطيني أن يكون فلسطينيّا، أمينا على ثغره، حاميا لقضيته، جارّا الفاعلين، قدر استطاعته، إلى مربعه، وكذا موقف العربي الحرّ. وإذا كان الفاعل الفلسطيني السياسي قد يضطر إلى مواءمات ما بين السكوت والكلام، في واقع شديد الرداءة، فإنّ ما يُلزمه لا يلزم الفاعل غير السياسي، كما أنّ الاضطرار لا يصل درجة التغطية على مسلك تطبيعي، لجهة، دولة كانت أم مؤسسة، بحجة أنّها أقرب من غيرها.
 
إنّ استثناء أيّ جهة من نقد مسلكها التطبيعي، يفقد محاربي التطبيع ودعاة المقاطعة مصداقيتهم، ويفتح المجال لأي جهة أخرى للتذرع بدعاوى متعددة للولوج إلى مسلك التطبيع، ولن تعدم الحجج الدعائية للدفاع عن مسلكها ذاك، وقد تستخدم ذات الحجج التي استخدمت من قبل للتغطية على من سبقها إلى هذا المسلك، هذا فضلا عن كون الفلسطيني أو العربي المهموم بفلسطين، ليس من واجبه الدفاع عن سياسات دول وهيئات أخرى.
 
هنا لا بدّ من القول إنّ التسامح مع تطبيع بعض الجهات، خلال السنوات الماضية، والانصراف عن خطّ سياسات مناهضة وصريحة وحازمة مع ذلك التطبيع، بما في ذلك التطبيع التلفزيوني، ساهم في “تطبيع التطبيع”، وتمييع خطابنا التاريخي عن القضية الفلسطينية، وجعل كثيرا من بدهيات قضيتنا وضروراتها مسائل قابلة للاختلاف عليها. وقد سبق لكاتب هذه المقالة وأن نوّه إلى هذا الأمر مرات عديدة، ذاكرا تلك السياسات التطبيعية والجهات التي تقترفها، وإلى الأسباب التي تجعل من التصدّي لها ضروريّا، وتحدّث في عدد من الندوات والمؤتمرات والمداخلات التلفزيونية، التي تناولت التطبيع الإماراتي، عمّا سبق هذا التطبيع مما انتهى بنا إلى “التطبع مع التطبيع”.
 
فإن كان الأمر كذلك، فلماذا يعتبر الكاتب نفسه الآن أنّ إلحاح البعض على تطبيع آخرين في ذروة استعلان التطبيع الإماراتي، مزايدة تخدم في مؤداها المطبع الجديد؟!
 
باختصار، لأنّ هذا ما يفعله المطبع الجديد أولا، فكيف يتورط، والحال هذه، معارض التطبيع في فعل المطبع الجديد الدعائي، سواء كان من موقع الخصم لسياسات تركيا وقطر، أو غيرهما، أو من موقع المتحامل على بعض مؤيدي الدولتين في مجالنا العربي والفلسطيني؟!
 
إنّ التحامل لا ينبغي أن يجرّنا إلى خطابات ضيقة، تعبّر عن نوازع نفسية، أكثر مما تعبّر عن مواقف أصيلة معادية للتطبيع وسياساته.
 
لا يعني ذلك بالتأكيد، الكفّ عن الإشارة للمطبعين كلّهم، ولكن ليس بما مؤداه التخفيف من الفعل التطبيعي الجديد. فإذا كانت الأفعال التطبيعية السابقة قد ساهمت في “تطبيع التطبيع”، فإنّ ترك المطبع الجديد، لذم من سبقه على طريق التطبيع، يفضي إلى تعزيز سياسات “تطبيع التطبيع، وإنما الذي ينبغي هو إشعار كل مطبع جديد بعمق جريمته، وإظهار سوءة فعله، وخصّه بما يلائمه من الذم والتقريع، وأمّا سواه من المطبعين، وكشف السياسات التطبيعية للجميع، فالوقت يتسع لذلك، حتى في سياقات فضح التطبيع الجديد، ولكن ليس بما يخفف من وقع هذا التطبيع الجديد.
 
الأمر الآخر، هو الوقوع في مغالطة المساواة بين المطبعين، بل وربما جعل المطبع الجديد أقل سوءا من بعض من سبقه، مع أنه الأكثر سوءا، والدافع غالبا هنا التحامل، أو الخشية من دفع الأثمان حين نقد المطبع الجديد وحلفائه بما يناسبهم، فيلجأ بعضهم، ولأسباب شخصية صرفة، للتقليل من احتمالات دفع الثمن، بالمساواة بين المطبعين، أو إغلاظ القول للمطبع السابق أكثر من المطبع اللاحق، ومثل هذه التقنيات واضحة لكل حصيف وصاحب بصيرة!
 
هذه المغالطة لا تخدم قضية مناهضي التطبيع، وإنّما تؤذيها، فمن يستأنف علاقات جديدة مع الاحتلال، وفي سياقات تحالفية ظاهرة، وعلى نحو يبدو أقرب إلى التحالف مع اليمين الإسرائيلي، ودعم مشروعه لتصفية القضية الفلسطينية، وبمظاهر غاية في الاستفزاز والقبح والفجاجة، وهو ما فعلته دولة الإمارات، ليس كما هو شأن العهد الحالي في تركيا مثلا، والذي ورث علاقات تاريخية مع “إسرائيل”، يتخفف منها بالتدريج البطيء، وإن لم يصل إلى الحدّ الذي نأمله.
 
نحن إذن أمام ظرف سيئ مركّب، فيه العربي الذي قاطع “إسرائيل” عقودا طويلة، ثم أخذ ينهار ويسوء، وأمام ظرف تركيّ سيئ، أخذ يتحسن ولو كان التحسن بطيئا. وبغض النظر عن التحليل السياسي، واستعراض حيثيات وملابسات أيّ من الظرفين، فإنّ هذه هي الصورة العامة التي تلزمنا بملاحظة الفروق، والسوء المتزايد في مكان، والتحسن المتزايد في مكان، وبقدر ما أنّ التحسن التركي لا يكفي للكفّ عن نقد التطبيع التركي، فإنّه يكفي لملاحظته، ووضعه في سياق مختلف عن التطبيع الإماراتي، وهكذا في كلّ حالة مركبة.
 
لو كان الظرف الذي نعيشه مثاليّا، تسود فيه المقاطعة، لكانت المساواة بين المطبعين واجبة، مهما اختلفت في الدرجة أو في النوع أو في السياقات التاريخية، ولكننا في ظرف شديد الرداءة والانحطاط، بما يحملنا على ملاحظة دقائق الفروق، لا للدفاع عن الأقل سوءا، ولكن حتّى لا نساوي به الأكثر سوءا، وحتّى نخفّف من هذا السوء قدر الإمكان، فهو فقه اللحظة، التي لا نستغني فيها عن إدراك درجات اقتراب الفاعلين منّا وابتعادهم.
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك رد

إغلاق