مقالات رأي
أخر الأخبار

قبل مرحلة (دحلان)

الكاتبة| لمى خاطر

في ردود فعلها الغاضبة على التحالف الإسرائيلي الإماراتي الأخير، كانت قيادة حركة فتح والسلطة الفلسطينية تضع في اعتباراتها أن من الاستحقاقات التالية التلقائية لهذا التحالف التمكين لمحمد دحلان، المفصول من حركة فتح ومن المجلس التشريعي والمجرد من جميع امتيازاته التنظيمية بقرار سابق من محمود عباس.
 
بمعنى أن من دوافع تلك الغضبة العلنية التي أبدتها قيادة السلطة التخوف الكبير من إمكانية فرض محمد دحلان كخليفة لعباس، كون دحلان كان وما يزال خياراً إماراتياً سعودياً مصريا، وهو يتمتع لدى هذه الأنظمة بمكانة لا يحظى بمثلها محمود عباس.
 
ولعلّ عاصفة التصريحات المهددة للسلطة التي أثارتها سهى عرفات تأتي في هذا السياق أيضا، وهي عاصفة مفتعلة، ظهرت فجأة ودون مقدمات منطقية، وتبدو بتوجيه من تيار محمد دحلان، لتصفية حساباته مع قيادات في السلطة وحركة فتح من جهة، ولاستغلال رمزية الراحل ياسر عرفات في التمهيد لنفسه والتمكين لتياره كسلطة بديلة للسلطة الحالية.
 
كان على قيادة السلطة أن تعي منذ وقت طويل أن بديل عباس أو خليفته المطروح من قبل النظام الرسمي العربي سيكون محمد دحلان، وأن الحرب التي شنها محمود عباس على جميع من ثبتت علاقته بدحلان من سياسيين ورجال أمن لم تحقق الهدف المرجو منها، ولم تفلح في تحجيم تياره وإنهاء وجوده في الضفة الغربية، بل لعلّ كثيرين من مؤيدي دحلان ومناصري تياره داخل مؤسسات السلطة السياسية والأمنية يمتنعون عن إظهار ولائهم له خوفاً من تعرضهم للفصل أو الاعتقال، وبالتالي خسارة مواقعهم وامتيازاتهم.
 
لم تفلح قيادة السلطة في إقناع الجمهور، وخصوصاً الفتحاوي، بأن الخلاف مع تيار دحلان ليس شخصيا، أي نتيجة خلافات شخصية حادة بينه وبين عباس، ولو أنها بذلت قليلاً من الجهد لتبيان مخاطر تيار دحلان الحقيقية وطبيعة ارتباطاته وكيف جسد للنهج الدموي في تصفية خصومه وإدارة الخلاف الداخلي لكان ممكناً محاصرة تمدده منذ أمد طويل، ذاك أن الخطر الأساسي هو في كون هذا التيار متمكناً داخل الهياكل الفتحاوية المختلفة في الضفة وغزة، حتى لو ظنت قيادة حركة فتح غير ذلك.
 
من جهة أخرى، لم تبذل قيادة فتح جهداً عملياً وملموساً في التقارب مع بقية الفصائل الفلسطينية، وظلت تنتهج الإقصاء مع جميع مخالفيها، ومعارضي نهجها، وحتى حين تهاوت الأسس التي قام عليها اتفاق أوسلو، وصار مشروع التسوية جزءاً من التاريخ، وتجاوزه الزمن عبر السياسات الصهـــيونيـــة الجديدة، ظلت قيادة السلطة وحركة فتح مصرة على تحجرها وعنادها وتنكرها لمختلف شركائها على الساحة، وحين حاولت إظهار حسن النوايا لمواجهة خطة الضم الصهيـــونيـــة، ظل تقاربها مع بقية المكونات الفلسطينية ناقصاً وشكلياً ومتهافتا، ولم يحمل بوادر جدية لفتح صفحة جديدة، أو لتقديم تنازلات حقيقية تخدم المصلحة العامة، أو للتراجع عن سياسات عقيمة وإقصائية على المستويات الأمنية والسياسية والاجتماعية.
 
على قيادة السلطة أن تدرك أنها تعيش أسوأ مراحلها على المستويات كافة، وأن ثمة بوادر حقيقية للإعداد لمرحلة دحلان ترعاها أطراف إقليمية، فيما يبدو كيان الاحتلال بدوره مستعداً على طريقته لهذه المرحلة، لأنه سيكون الممهد الأهم لها، ولعلّ نظرة إلى بعض الظواهر الأخيرة التي تتفشى في الضفة تُنبهُنا لمعالم المرحلة القادمة، كظاهرة انتشار السلاح وارتفاع معدلات الجريمة، في ظلّ نشاط محموم لما يعرف (بالمنسق)، أي نشاط الإدارة المدنية الإسرائيلية في مناطق الضفة الغربية.
 
سلوك السلطة وردود أفعالها (في شقها العلني على الأقل) تقول إنها تنظر بعين الخطورة لمرحلة يكون عنوانها فرض دحلان على المشهد السياسي الفلسطيني، وإن كان الحال كذلك فعلاً فلا أقلّ من أن تتجرد قيادتها من نزعة التفرّد والهيمنة والإقصاء، وأن تعي أنه يلزمها الكثير من مبادرات حسن النية والإصلاح، وإجراء تغييرات كثيرة على الواقع الميداني وسلوكها السياسي والأمني، وليس لها أن تتصور أنّ عليها أن تظلّ على حالها وماضية على نهجها التقليدي، وأنّ غيرها سيتبرع تلقائياً بمساعدتها وتخليصها من أزماتها وهواجس المرحلة المقبلة.
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك رد

إغلاق