مقالات رأي
أخر الأخبار

في سجون الاحتلال.. درجة الحرارة حدث ولا حرج

الكاتب| ساجي أبو عذبة

في مثل هذه الأجواء في السجون كنا نترقب درجة الحرارة كأخبار حريتنا، نستعد لها من الليل ونتوقع قسوتها من ضباب الفجر وحبات الندى.

في النقب الصحراوي تهب العواصف الجافة شديدة الحرارة ترافقها قوافل الحشرات المزعجة، ولا مكان للاحتماء منها خصوصا في قسم الخيام، كان بعضنا يجلس وقت الظهيرة في بخٍ “سطل كبير” يملؤه بالماء طوال الوقت، والبعض يبلل “ينقع” منشفته وملابسه وأغطيته بالماء البارد ويتغطى فيها على هواء المروحة، ويكرر هذه العملية كل ساعة تقريبا لسرعة جفاف الملابس والأغطية، وبعض الأسرى كان ينام على رفوف الكانتينا بعد إنزال البضائع لوجود آلة تسمى “مكيف”.

في مجدو حدث عن الرطوبة ولا حرج، حدث عن ضغط الغرف، عن ضيق المكان والزمان، عن “فرفطة” النفس وضيق خلقها، عن أجسامنا التي نعبر عنها ب” ملبطة” من شدة الرطوبة، أما عن المعبار حيث لا ملابس ولا مراوح ولا طعام ولا مياه باردة فليس لها من دون الله كاشفة، كان الله يخفف عنا دائما بلطافة وخفة دم الرفقة الصالحة.

كنا نستيقظ أحيانا خنقاً من شدة الحر، نسير كأننا سكارى، وفي العشر الأواخر من رمضان كنا نحن السكارى الذين نتشبه بهم بقية الأيام، نتصنع اللعب بالماء بكل الطرق تخفيفاً عن أنفسنا، نملأ الغرف والممرات والدشات بالماء، نتخيل السباحة وكأننا في مدينة ألعاب مائية، صغيرنا وكبيرنا سواء، كان شيخنا الضعيف في بنيته هناك يستحثنا على الصيام، ويرغبنا بصيام أيام الحر، لم أكن أقوى على الصوم لكني كنت أفتخر أني أعيش بين رجال يتعبدون الله بكل أوقاتهم، بين شبابٍ يستجيبون لداعي الخير رغم الأعذار والتبريرات المقنعة، لثلة مؤمنة صابرة تتفنن في عبادة الله، كان شيخنا الضعيف يسير بين الممرات ينادي بفرح: يا عابد الحرمين لو أبصرتنا..

كلما تذكرت تلك الأيام وأنا منعم في الغرف المكيفة، فرحت بنعمة الله وفضله، وانخلعت الروح من مكانها حباً وشوقاً ووفاء لأخوة الدرب والطريق، لأخوة الهم والفكرة، للفقهاء من أمتنا الذين نفروا وعلموا أن نار جهنم أشد حرا:

“وَقَالُوا لَا تَنفِرُوا فِي الْحَرِّ ۗ قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا ۚ لَّوْ كَانُوا يَفْقَهُونَ”

اللهم الطف بإخواننا، اللهن حنن عليهم وعلى أهاليهم، اللهم حنانيك بهم وبعامة المسلمين والمظلومين.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك رد

إغلاق