مقالات رأي

لقاء الأسيــرات والليلة الأولى في سجن الدامون (1)

الكاتبة: شذى حسن

عندما انتهيت من مقابلة المخابرات تم اصطحابي إلى القسم عند الأسيــرات.. كانت الساعة قريب الثانية ونصف ظهراً.. الجو مشمس وجميل وها هي أول مرة أرى بها الشمس بعد ستة أيام في معبار الشارون.. فتحت لي السجانة الباب الأول لأعبر منه.. ودخلت.. ثم تلاه باب آخر.. وبعدها مشيت في ممر طويل منحدر.. خطواتي كانت مثقلة وما زلت أشعر بالكلبشات في قدمي مع أنني تحررت منها قبل الدخول من بوابة القسم.. ولكن القيد الآن أصبح أكبر وتجاوز كلبشات اليدين والقدمين.. كُل ما حولي مُقيد.. بأبواب ضخمة وأسلاك تلف المكان من كل صوب.. السماء التي أعشق النظر إليها وهي مغشاة بالغيوم البيضاء أيضاً مُقيدة بأسلاكٍ تتعب النظر.. حتى النفس مُقيد بأنفاس الحاقدين من حولنا في هذا المكان.. وحدها الروح هي من بقيت حُرة ولم يقدروا على أسرها أو تقييدها..

ما زلت أتذكر هذه اللحظات وأنا أمشي خطوة خطوة متأملة المكان وفي حالة شرود تام.. سترة الشاباص أحملها بيدي.. وبحجاب متراخي حاولت ترتيبه قدر المستطاع لأنهم كانوا قد أخذوا الدبابيس مني.. بالإضافة إلى رباط حذائي.. وأمسك في يدي ورقتين.. ورقة حكم الإداري الظالم، وورقة تُثبت أني الآن أسيرة إدارية في سجن الدامون ويوجد عليها موعد تاريخ الإفراج.. الذي بقيت اتأمله بين كل حين وآخر.. وتعلو وجهي ابتسامة باهتة متعبة..
وصلنا آخر الممر.. وفُتح لي باب آخر ودخلت منه.. تم تفتيشي بآلة التفتيش اليدوية.. وها أنا وصلت القسم..
سمعت أصوات الأسيــرات.. فخفق قلبي وزاد توتري.. فكانت فكرة اللقاء بأسيــرات سمعت عنهن وأنا في الخارج ورأيت صورهن على الإعلام.. تُربكني.. وها أنا اليوم سأشاركهنّ القيد والمعاناة والألم..

أطل وجه الحبيبة بيان فرعون المشرق أول ما فُتح لي الباب.. وصرخت: “شذذذذى”.. وأحتضنتني.. كان هذا الحضن كفيلاً بتبديد الوحشة والغربة اللواتي شعرت بهن طيلة الأيام الماضية في معبار الشارون.. وقفت لبضع دقائق اتأمل المكان.. ساحة مُحاطة بحديد كالقفص تماماً.. وأسيــرات يرتدين زي الصلاة وعيونهن ترمقني وتنظر إلي.. وتعالت البسمات ومن ثم الأحضان.. فما كان مني إلا أن أبتسم.. رحبنَّ بي.. وتجمعنَّ حولي.. ما زلت أذكر أول سؤال توجه لي من الأسيــرة أماني الحشيم المحكومة ب 10 سنوات: “شو أخبار الصفقة برا؟ احكيلنا في أمل..؟”.. ما زلت أذكر وجه إسراء الجعابيص وبسمتها التي تعلوه رغم حكاية الحزن فيه.. ما زلت أذكر زميلاتي ميس أبو غوش وسماح جرادات ولمعان الشوق في عيونهن عندما قالاتا : “احكيلنا عن الجامعة وأخبارها اشتقنا كتير..”

شعرت أنني كـَ ساعي البريد أتيت لكل واحدةٍ من عالم تتوق روحها إليه.. وكل واحدة منهن تُريد أن تنهل من أخبار أحبتها ..

تبددت جمعة الأسيرات من حولي عندما خرج صوت من سماعة عمَ على كل القسم قائلاً: “إسكِراة بنوت إسكراة” لم أفهم بالبداية ماذا تعني هذه الكلمات.. ولكن بعدها فهمت أنها كانت فورة وهو وقت خروج الأسيــرات من الغرف لساحة القسم.. و”إسكراة” تعني التسكيرة وحان الوقت للرجوع إلى الغرف.. كانت الساعة الثالثة عصراً..

ذهبت إلى الغرفة التي سأمكث بها.. كان رقمها ٤.. ألقيت السلام على الأسيــرات اللواتي كن في الغرفة واللواتي سأتقاسم معهن الآن كل شيء.. دخلت ووقفت على بابها وتأملت شكل الغرفة والأبراش.. كانت واسعة نوعاً ما مقارنة بالزنزانة في معبار الشارون الذي قضيت به أيامي الماضية.. يوجد في الغرفة ثمانية أبراش.. ويوجد غيري خمسة أسيــرات.. جلسنا على طاولة واحدة.. ووضعوا الغداء.. كنتُ أشعر بالحرج الشديد.. مكان جديد لم أتوقع يوماً أن أكون فيه.. أشخاص لا أعرفهم وها أنا أتناول الغداء معهم.. وباب كبير مُغلق علينا.. تمنيت لو أنني أحلم، وبالحقيقة كنت أشعر أنني في حلم أو كابوس سيء وسينتهي.. شرد ذهني إلى الخارج.. إلى مائدتنا المليئة بالحُب والدفء.. تذكرت مكاني الذي سيكون خالٍ.. وتذكرت أنني الآن يجب أن أكون جالسة هناك أحدث أبي عن تفاصيل يومي.. وصوت أمي تسلسل إلى أذني وهي تقول: “يا ريتك بتوكلي قد ما بتحكي.. خليني احطلك كمان”.. وكادت الدمعة تنهمر من عيني.. وقلبي يشتعل شوقاً..

وفجأة بدد شرودي صوت عالٍ عم القسم مرة أخرى يقول: “إسفراة بنوت إسفراااة..” ومن ثم نفس الصوت: “عددددد عدددد” .. وصوت آخر من داخل القسم: ” يااااا بنااااات عددد وفي زلمة.. يا بنااات دخل العددد”.. بالبداية لم أفهم ماذا يحدث وماذا يجب أن نفعل.. فقالت لي أسيــرة من اللواتي معي في الغرفة: “هسا دخل العدد.. ولازم نوقف عليه عشان يعدونا”.. وبالفعل ارتدت الأسيــرات اللواتي معي في الغرفة ملابس الصلاة.. وقطعن غداءهن.. ووقفنا جميعاً ننتظر العدد.. فُتح الباب ودخلت سجانة أظن عمرها لا يتجاوز ال 19 عام.. وخلفها سجان يُمسك بيد الباب.. دخلت ونظرت إلينا وعدّت بإصبعها ” 1 2 3 4 5″ .. وأغلقت الباب خلفها بقوة ورن صوته المزعج بجميع أرجاء الغرفة.. عادت الأسيــرات لتكملة الغداء.. أمّا أنا بقيت واقفة شريدة الذهن أتأمل هذا الحال الذي اعتادت عليه الأسيــرات، مستنكرةً إياه بكل ما فيّ..
وصوت بداخلي يُردد قهراً:

“لعن الله السجن والسجان.. لعن الله السجن والسجان..!!”

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك رد

إغلاق