مقالات رأي

فوبيا الارتباط بالأســيرات… حقيقة أم خرافة؟

كتبت الصحفية سوزان العويوي

كان فجرًا قاسيًا من أيام حزيران 2018 حين اقتحم جنود الاحتلال بيتي واعتقلوني في رمضان، بعد تحقيق لمدة شهر في مركز تحقيق عسقلان وصلت هشارون، نُقلت بعدها إلى الدامون وأمضيت عامًا من الاعتقال. في إحدى الفورات في سجن الدامون، وهو الوقت المسموح لخروج الأســيرات من الزنازين المغلقة، كنت أتمشى مع أم إبراهيم، وكانت الأســيرات الصغيرات في السن يتراكضن في الساحة لأجل أمر افتعلنه لإمضاء وقت للتسلية. علّقت أم إبراهيم: “شو عليهن البنات الزغار عايشات في السجن ولا عبالهن، مو مثلنا قلبنا على أولادنا وزواجنا وأشغالنا”.

استوقفتني كلمة أم إبراهيم لأيام، وتساءلت كثيرًا: هل الأســيرات الصغيرات في السن لا يعبأن بشيء بالفعل؟ وهل يحتضن بين ضلوعهن قلبًا خاليًا من الألم؟ عادت أم إبراهيم لتطرح نفس التعليق في موقف مشابهة، فأجبتها دون تفكير: “الله يسامحك يا أم إبراهيم، إحنا تعلمنا وتوظفنا وتزوجنا وأنجبنا، صحيح إن قلقنا متشعب وألمنا كبير، لكننا فعليًا أنجزنا مهام حياتنا الأساسية، أما هن، فيا ترى ماذا ينتظرهن بعد الحرية”!

وماذا بعد الحرية؟

ولكن، ماذا بعد؟ تبدأ رحلة البحث عن الحياة للأســيرات المحررات، متمثلة في التعليم والزواج والوظائف.

أما بالنسبة للارتباط، فهذا الأمر يتعلق باعتبارات مختلفة، فهناك من الأســيرات من يلتقين بشاب يعتبر أن الاعتقال امتياز إضافي في مواصفات شريكة العمر، وهناك جزء أخر من الشباب يتعاملون مع موضوع الارتباط بأســيرة محررة وفق موروثات قديمة ترفض الارتباط بمن سبق لها الاعتقال، والحجة أن الأســيرات خلال التحقيق ربما يتعرضن للاغتصاب مثلًا، وهذا بالطبع، بعيد عن الواقع ولم تثبت أي حالة مشابهة، إلا حالة وحيدة مع عائشة عودة التي اعتقلت مع بدء العمل الثوري، وهذا ما وثقته عودة في روايتيها “باب الشمس” و”ثمنًا للحرية”.

كثيرًا ما كنا، كأمهات أســيرات، ندخل في نقاشات طويلة مع الأســيرات الصغيرات حول الخطبة والزواج، من ناحية الأهداف ومعايير الاختيار وأساسيات التعايش مع أسرة، فكنا نرمق في أعينهن أسئلة كثيرة لا إجابة لها في أذهانهن.

كانت التساؤلات حول نظرة المجتمع للأســيرة، فقد كان النظرة سلبية بسبب ما كان ينشر عن أساليب التحقيق، وربما كان لرواية المحررة عائشة عودة أثر واضح بين الأســيرات ومثال على فترة صعبة عاشتها الأســيرات، وفي المقابل، بقي مشهد استقبال عدد من الأســيرات استقبال الأبطال عالقًا في الأذهان، كاستقبال المحررة خالدة جرار وصابرين أبو شرار وسماح الدويك وصفاء أبو سنينة، وأخريات، حيث جرى استقبالهن استقبال الأبطال بمواكب سيارات وأغان وأهازيج الفرح.

أما الأسيرات المتزوجات فقد تباينت أوضاعهن مع عوائلهن، منهن من حرص أزواجهن وعوائلهن على التواصل الحثيث معهن، للاطمئنان عليهن وطمأنتهن عن أولادهن، وبالتالي، كان هناك دعم واضح من الأزواج لهن، وهناك من تُركن لأشهر دون أي أخبار عن أولادهن وعائلاتهن، وهناك من سيطر عليها خوف شديد من ردة فعل مجتمعها على اعتقالها، وبات هاجس زواج زوجها بأخرى ينغص عليها أيامها النكدات أصلًا، وهناك من علمت بزواج زوجها بأخرى بعد أشهر قليلة من اعتقالها، بل وبعد إنجاب أول أطفاله، مما أصابها بصدمة تسببت لها لاحقًا بالعديد من الأمراض الجسدية والنفسية، ومن الأزواج من تزوجوا بعد إصدار أحكام عالية على زوجاتهم دون مراعاة الحالة النفسية الصعبة التي تمر بها الأســيرة وقتذاك.

نماذج واقعية

هناك أســيرات ارتبطن بأســرى داخل السجون، مثل المحررة أحلام التميمي التي ارتبطت بالأســير نزار التميمي، والمحررة صمود كراجة التي ارتبطت بأســير لا يزال داخل السجن، والأســيرة المحررة غفران زامل التي ارتبطت بالأســير حسن سلامة، والأســيرة المحررة منى قعدان التي ارتبطت بالأســير إبراهيم اغبارية من أم الفحم –ولم يكتمل مشروع الارتباط- وأخريات.

“هناك إقبال على الزواج من أــسيرات محررات، ولكن بعد سنوات قصيرة يتم تعنيفهن من قبل أزواجهن، وسُجّلت عدد من حالات الطلاق بينهن، أنا بعد خروجي في صفقة وفاء الاحرار في العام 2011 بفترة قصيرة، طُلبت للزواج خلال استقبالي للمهنئين من قبل شاب من يطا وهو أســير محرر . وتمت الخطبة بيننا بالفعل، وبعد ستة أشهر من الخطبة والتعارف تم زفافنا، وبفضل الله أنجبنا ولدين وبنتين، وكان زوجي مقتنعًا بالارتباط بأســيرة حتى لو كانت أكبر منه سنًا، فزوجي أســير محرر قضى عامًا كاملًا في سجون الاحتلال. حصلت بعض الإشكاليات بيننا لاحقا لأسباب مادية، وبسبب الأضرار النفسية التي يخلفها الاعتقال لسنوات لاحقة”، تقول الأســيرة المحررة ز.ش.

ولكن حسب الاطلاع والمعرفة، ظهرت حالات طلاق بين الأســيرات بسبب خلافات على موضوع الراتب الذي تتقاضاه الأســيرة، وعدد من الأســيرات اليوم تتحمل مشاق الحياة عن زوجها وحدها، وبعضهن اضطررن لأخذ قروض على راتبهن لمساعدة أزواجهن في إجراءات الزواج أو لبناء بيت، فتوضع جل المسؤوليات على كاهلها الأمر الذي تسبب في زيادة حالات الطلاق لبعضهن فالأســيرة (ع، أ) من نابلس، تزوجت وأنجبت بنتين وولدًا، انفصلت عن زوجها بعد تعرضها للعنف، وخلافات على راتبها الذي تتقاضاه من وزارة الأســرى بعد أن قضت في سجون الاحتلال خمسة سنوات، والأســيرة (ن، أ) من نابلس أمضت ثلاثة سنوات، وقد انفصلت بسبب خلافات على راتبها وهي أم لطفلين.

وهناك أســيرات عرض عليهن الارتباط بأســرى محررين، ولكن رفضن بسبب فارق العمر مع أغلب الخاطبين، وحالات أخرى رفضن بسبب الحكم العالي للأســير. كما أن بعض الاســرى المحررين رفضوا الارتباط بأســيرة محررة حتى لا تلقي التجربة بظلالها على تفاصيل الحياة اليومية لاحقًا. وعدد آخر من الأســيرات أيضًا عزفن عن الزواج وأعمارهن تجاوزت 35 عامًا.

الوجه الآخر للحكاية

تروي الأســيرة المحررة (س. أ): “منذ خروجي من السجن بداية العام 2017 لم يتقدم أي شاب لخطبتي نهائيًا، وأسمع تعليقات من المجتمع المحيط بي مفادها أن اعتقالي سبب عزوف الشباب عن التقدم لخطبتي، فقبل اعتقالي بفترة قصيرة كان هناك بوادر لمشروع ارتباط، لكن بعد خروجي من الأســر، لم يتقدم لي الشاب لأسباب لا أعرفها، وحاليا أنا لست مرتبطة ولا يوجد ما يؤشر على رغبة أحد بالارتباط بي، رغم أنني أسمع عن محررات يتزوجن فور خروجهن.

المحررة (أ.ف) تقول: “إنه وبعد الإفراج عنها تقدم لخطبتها أكثر من شاب، لكن بظروف وفرص أقل من تلك التي كانت قبل الاعتقال، فهناك خوف لدى الناس من موضوع الارتباط بمحررات، وربما يكون السبب الخوف من إعادة اعتقالي، وحول الآثار النفسية اللاحقة للاعتقال. تضيف: “بالنسبة لي في البداية كنت بحكي إنه عادي وما بتفرق معي، بس التراكمات كثيرة، فبتصير الوحدة تفكر بالأمر جديًا، وكثير بخطر ببالي كم الاحترام الذي يكنه المجتمع للأسيرة وللمحررة ويفتخرون بها، بس هالاحترام والفخر عن بعد دون استعداد للارتباط بالمحررة”.

المحررة (ع، م) تقول: “بالنسبة لي كان مجتمعي كله من عائلة وأصدقاء ومعارف داعم من أول لحظة لاعتقالي ومتضامن معي لأبعد حد، وكان ينظر لي بعين الفخر والحب، بالتالي، انعكس ذلك على قضية الارتباط، فعلى عكس الكثير من التجارب الأخرى تهافت عدد كبير من الشبان لطلب يدي، حتى أثناء وجودي داخل المعتقل، وبعد أن خرجت كذلك، فلم يكن الاعتقال عائقًا، وبالفعل، تزوجت من شاب بالمواصفات التي أريد. ولعل شخصية الفتاة وحضورها وطريقة تعامل عائلتها ومجتمعها المقرب والمحيط مع قضيتها له الدور الأبرز في هذا الموضوع”.

المحررة (أ.ق) تقول: “كانت لدي العديد من فرص الارتباط بعد تحرري من الأســر، وكانت فعليًا فرص أفضل من تلك التي كانت تعرض عليّ قبل الاعتقال، لكنني لم أكن على استعداد لفكرة الارتباط بعد الحرية مباشرة، فلم أكن قد أنهيت بعد دراستي الجامعية، وكان من بين المتقدمين أســرى محررين وداخل الأســر كذلك، كما تقدم لي شبان من خارج فلسطين. إذن، كانت عروض الارتباط بعد الحرية جيدة وكنت صاحبة قرار الرفض لأنني لم أجد الفرصة التي أتمناها لنفسي”.

إن الأســيرات بتن شريحة لا يستهان بها من المجتمع، وذلك لازدياد حالات الاعتقال لدى النساء، خصوصًا الفتيات والطالبات الجامعيات، ولذا، لا بد من احترام وتقدير تضحياتهن ومعاناتهن خلال تجربة الأســر، وتمكينهن بعد تحررهن من نواحي الحياة الاقتصادية والاجتماعية وحتى النفسية، وضرورة قيام الإعلام بالدور المناط به لتغيير نظرة المجتمع نحو الأســيرة والأســيرة المحررة، كما يجب أن تحظى قضية الأسيرات الأمنيات بفرصة ملائمة لهن في مجال البحث العلمي والإحصائيات التي تتناول الشق الاجتماعي والإنساني، ولا بد من بذل الجهود الرسمية والشعبية لرفع مستوى الوعي السياسي والاجتماعي بقضية الأســرى عمومًا والأســيرات تحديدًا.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك رد

إغلاق