مقالات رأي

رحيل الشاعر هارون رشيد.. محطات غير منشورة

الكاتب | أسامة الأشقر

صباح يوم الإثنين السابع والعشرون من يوليو عام 2020 ارتفع إلى العلياء هارون هاشم رشيد الذي ولد في غزة من أرض فلسطين عام 1927 وبات واحداً من أيقونات القضية الفلسطينية وأوابدها الخالدة.

التقيته أول مرة في دمشق عام 2006على هامش ندوة تأبينية عن نزار قباني، وكنا حينها قد أطلقنا مشروعنا الثقافي الكبير في “مؤسسة فلسطين للثقافة” فأعجب بمشروعنا وفلسفته ووعد بإسنادنا، بل أن يمد جناحه لنا، وفي عام 2007 تجدد اللقاء وصحبناه في رحلة طويلة إلى الجولان المحرر مع نفر من المناضلين والأدباء، وفي تلك الرحلة أسرّ لنا بالكثير.

أخبرنا أنه نشأ بحي الزيتون القديم في غزة، وكان يسمع عن أحمد شوقي وحافظ إبراهيم وبشارة الخوري ، ويستمع للإذاعة وهي تغرد بأشعار الجواهري وعمر أبو ريشة وميخائيل نعيمة وإبراهيم طوقان…
لكن شاعريته نضجت في كلية غزة التي أنشأها الأخوان شفيق ووديع ترزي، وهناك وجد رعاية من أستاذين كبيرين هما شاعر يافا سعيد العيسى، والشاعر اللبناني منح الخوري الذي كان يدرس في الكلية. وكان معه في الفصل الشاعر معين بسيسو ويحيى برزق وسعيد فليفل، التي نشأت بينهم رابطة الشعراء الروحية؛ وكونوا لجنة ثقافية كانت تقدم مواهبها أمام الأساتذة عصر كل خميس بعد انتهاء الدروس. وكان في الكلية موسم سنوي اسمه سوق عكاظ يعلو فيه صوت الشعر، وتبحث فيه الوجوه عن المبدعين الجدد، وكان يحضره من الأساتذة ذوي الإحساس الأدبي والإنتاج العلمي: وديع ترزي، وشفيق ترزي، والشيخ عبد الله العلمي، وجميل الكالوتي ، وجرار القدوة، وفهمي نبيه أبو شعبان، وغيرهم.

كان هذا الفريق – عدا سعيد فليفل- يتبارى في النشر في الصحف الفلسطينية آنذاك”الدفاع”، “فلسطين”، “الوحدة العربية”، مما ساعد على نمو موهبتهم وانتشار ذكرهم.

وكان في صباه عندما يكتب قصيدة جديدة يذهب إلى سعيد فليفل، في بيته في حارة الزيتون، في الشارع، الذي فيه بيته، فيقرأ عليه الجديد الذي عنده ثم يصطحبه إلى مقهى، على رصيف شارع عمر المختار خلف القيسارية حيث يجلس إليه ظهر كل يوم،الأديب الفلسطيني، الذي كان ذائع الصيت آنذاك “شريف برزق” يقرقر شيشته، فيقرأ عليه الجديد، ويستمع إلى ملاحظاته؛ كان “شريف برزق” موجه هارون هاشم رشيد ومرجعيته في الأدب، عرف منه الكثير عن شعراء فلسطين،آنذاك، ومن أوراقه، قرأ مخطوطات إبراهيم طوقان، وأبو سلمى وعبد الرحيم محمود ومحمد العدناني وغيرهم، إذ كان له، برنامج أدبي أسبوع يقدمه من إذاعة القدس،يقدم فيه شعراء من فلسطين ومن غيرها، واعتنى ببعض قصائده وتوسط لنشرها في مجلة “الغد” التي كانت أهم مجلة تصدر في فلسطين يرأس تحريرها أحد كبار أدباء فلسطين الأستاذ (مخلص عمرو).

وبرز بقوة في خمسينيات القرن الماضي قبل أن يظهر أدباء نهاية الستينات وبداية السبعينات غسان كنفاني ومحمود درويش مع أسماء أخرى كبيرة … وساعده أنه كان رئيساً لمكتب إذاعة “صوت العرب” المصرية في غزة عام 1954 لعدة سنوات، ونشر في عام 1954 أول دواوينه “الغرباء” .

برز أكثر من غيره في تعميق مصطلحات القضية الفلسطينية ولاسيما مصطلح العودة التي خصص لها أكثر قصائده، بل إن قصيدته الشهيرة “إننا لعائدون” كانت النشيد الوطني الفلسطيني منذ بداية الخمسينات، وبدأ اعتبارها كذلك في غزة، ثم انتشرت في مخيمات الشتات قبل أن يجعل عرفات مكانها قصيدة أخرى، ومن كلماتها التي لحنها الفنان محمود الشريف، وغنتها المجموعة:
عائدون عائدونْ… إننا لعائدونْ
فالحدود لن تكونْ …والقلاع والحصونْ
فاصرخوا يا نازحون … إننــــا لعــــــائـــــدون

أخبرنا أنه كان عميق الصلة بأحمد الشقيري الخطيب المفوه والسياسي البارع، وهو أول رئيس لمنظمة التحرير الفلسطينية، وأن هذه العلاقة كانت سبب توتر علاقته دائماً مع ياسر عرفات حتى أيامه الأخيرة، ولاسيما أن هارون كان مشرفاً على إعلام منظمة التحرير في قطاع غزة من عام 1965 إلى 1967 وربما كان يتهمه بتجاهل أخبار حركة فتح بأوامر من الشقيري.

ولكن علاقته بخليل الوزير “أبو جهاد” كانت جيدة حتى إنه لقبه بشاعر الثورة عام 1967 بعد قصيدته ” الأرض والدم”.

وقد أتاحت له هذه العلاقة الخاصة مع الشقيري فرصة العلاقة الخاصة مع مصر المرتبطة جداً بقطاع غزة، وكان هارون ناصريّ الهوى والانتماء السياسي، وأهّله ذلك أكثر للحضور في المنابر وذيوع شعره الذي لم يجعل فيه سوى موضوع واحد هو فلسطين، إذ لم يكتب في أي غرض آخر كما يقول.

اضطر للانتقال إلى القاهرة بعد نكسة 67 وعمل رئيساً لمكتب منظمة التحرير في القاهرة برغبة مصرية لسنوات، ثم عمل لمدة ثلاثين عاما مندوباً دائماً لفلسطين في اللجنة الدائمة للإعلام العربي واللجنة الدائمة للشؤون المالية والإدارية بالجامعة العربية.

نشر أكثر من 20 ديواناً وله دواوين مخطوطة لم تنشر بعد كما أخبرني، وله مسرحيات شعرية عُرض أكثرها في مسارح القاهرة وبيروت ودمشق والدوحة والكويت والجزائر في السبعينيات خاصة، ومثل فيها كبار المسرحيين مثل كرم مطاوع وسهير المرشدي، وله مسلسلات إذاعية وسباعيات قدمت عبر إذاعة صوت العرب المصرية لسنوات، وله مذكرات وكتب نقدية.

كانت القيمة الأكبر في شعره أن قصائده غناها الكثير من شعراء الستينات والسبعينات وعلى رأسهم فيروز ومحمد فوزي وكارم محمود ومحمد عبده وطلال مداح ومحمد قنديل وفايدة كامل، وفرق غنائية وإنشادية كثيرة ، وبلغت قصائده المغنّاة نحو 90 قصيدة فلسطينية؛ وأشهر ما غنته فيروز له مما يحفظه الكثيرون إلى اليوم:
سنرجع یوماً إلى حینا… ونغرق في دافئات المنى
سنرجع مهما یمر الزمان…… وتنأى المسافات ما بیننا
فیا قلب مهلاً ولا ترتمي…… على درب عودتنا موهنا
یعز علینا غداً أن تعود….. رفوف الطیور ونحن هنا

وغنّت له أيضاً في الخمسينيات حوارية ليلى وأبيها، بعد أن اختار الأخوين رحباني هذه القصيدة وقصيدة سنرجع يوماً وقصيدة جسر العودة لغنائها، وجرى تسجيلها كلها في القاهرة:
أتتْ ليلى لوالدها … وفي أحداقها ألمُ
وفي أحشائها نارٌ … من الأشواق تضطرم
لماذا نحن يا أبتي … لماذا نحن أغرابُ !
أليس لنا بهذا الكون أصحاب وأحبابُ !
أليس لنا أحباءُ
أليس لنا أخلاءُ !

تواصلتْ علاقتي بالأستاذ هارون رشيد حتى نهاية 2009، وكان يراسلني بريدياً من خلال زوجته الفاضلة السيدة مروة جبر، وهناك ترك لي وصيته أن أنشر له قصائده عن القدس وهي نحو 32 قصيدة وبعضها من جديده الذي كتبه عام 2009، وأوصاني بنشرها ضمن فعاليات الحملة الأهلية لاحتفالية القدس عاصمة الثقافة العربية التي تشرفت برئاسة مكتبها التنفيذي، وكان الديوان يحمل اسم إحدى قصائده “أحبك يا قدس”؛ وأهداني أيضاً مسرحيته: “جسور العودة”، ورغب إليّ أن يشاهدها الناس على المسرح، وقال: إن أول مرة عرضت فيها كانت في الدوحة في سبعينيات القرن الماضي؛ لم نستطع حينها العناية بهذا التكليف لأسباب تتعلق بتأخر الأستاذ في كتابة المقدمة، ولأسباب أخرى لا تتعلق به، ولكن الإصرار ظل موجوداً لدينا إلا أن أحداث الربيع العربي عصفت بالكثير من المشروعات التي خططنا لها، ومنها إعادة تقديم أدب الأستاذ هارون هاشم رشيد شاعر العودة والثورة.

كنت أنتظر مكاتبات أستاذنا الشاعر هارون هاشم رشيد الذي كان يختمها دائماً بعنوانه: 28 شارع دجلة المهندسين – القاهرة؛ وكانت آخر رسالة حفظتها كان قد كتبها لي: (تحية طيبة وبعد… فعطفاً على حديثنا في دمشق، أرسل لكم ديوان أحبك يا قدس ، ومسرحية جسور العودة ، ولكم ولجميع الإخوة طرفكم أعطر التحيات وأحلى الأمنيات في الوصول إلى هدفنا المشترك في تحرير أرضنا والعودة القريبة بإذن الله ،أرجو إفادتي بوصول هذه الرسالة تحياتي … هارون هاشم رشيد 19/8/2009) .

ملحوظة: يظهر في الصورة الأستاذ هارون هاشم رشيد رحمه الله، وبجواره الأستاذ أبو بلال المجتهد رحمه الله، وإلى جواري المؤرخ والكاتب الكبير محمد أبو عزة متعه الله بالصحة والعافية، ويظهر في الصورة الدكتور عبد المنعم أبو الفتوح الأمين العام لاتحاد الأطباء العرب آنذاك – فك الله أس

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك رد

إغلاق