مقالات رأي

الاعتداء على المرأة.. ودور المشايخ وانتهازية الهيئات النسوية

الكاتب | يونس الجعبري

في فيلم “السحلية” الإيراني، الذي تقمّص فيه مجرم هارب من السجن دور إمام مسجد في إحدى قرى إيران النائية، تعرض على هذا الشيخ-المجرم إشكالية قديمة متجددة، وهي الاعتداء المتكرر لرجل على زوجته بالضرب المبرح، فما كان من هذا “السحلية” إلا أن تسلق جدار البيت ودخل من إحدى النوافذ وأوسع الزوج ضربا، فانتهت المشكلة التي دامت لسنوات طويلة، وتخللها الكثير من الظلم لهذه المرأة، وعجز عن حلها عشرات الأئمة ورجال الاصلاح وكبار القرية ما العبرة المستفادة من هذا؟

أولا هي دعاية لمشاهدة الفيلم وأظنّه موجودا على اليوتيوب، وفيه رسائل عميقة جدا ذهلتني
ثانيا وهو المهم بالنسبة لنا أنّ قدرة المشايخ في هكذا مساحات من المشكلات محدودة، فهم غير قادرون على حلّها، بل وفي الغالب يتخوف كثير من المشايخ الخوض في المشكلات بتفاصيلها، وخاصة ما يتعلق بالنساء والجرائم الأخلاقية، لأسباب منها:

1. هذه مشكلات السعي فيها ضرب من المشكلات أيضا، فالخوض فيها خوض في أعراض الناس، وطلب التفاصيل فيها مذموم، وجهلها يفضي إلى غباش في فهم القضية يؤدي إلى عجز عن الحكم، بعكس القضايا المالية في العموم التي يمكن للشيخ أن يسأل ويتحرى بكل سهولة، وبجانب تعفف الشيخ عن الخوض، ما يحصل من تدليس من أطراف القصة وصعوبة بل واستحالة التثبت. بينما صديقنا السحلية لا يتورع عن ذلك، ولا يعبأ بالتفاصيل ولا بالعدالة.

2. لا يملك المشايخ أدوات قامعة للشر قمعا مباشرا وملموسا، فأدواتهم الوعظ والكلمة الحسنة، وهكذا مشكلات تحتاج في ضبطها إلى سوط لا صوت، وقاض لا واعظ، وشرطي لا داعية، وهذا ما ملكه صديقنا السحلية بعضلاته المفتولة.

3. ما يترتب عليه حل المشكلات إن أمكن الوصول إليه يخشى الكثير من أهل العلم الشرعي والمشايخ من تحمّل تبعاته، سواء من ذمّ الناس لهم لأنهم وقفوا مع الزانية ضد الاعتداء غير الشرعي عليها، أو رمي الناس لهم في دينهم لأنهم تعرضوا للأعراض، وأشد ذلك تعرّض أطراف المشكلة لهم بالأذى، وغير ذلك مما يحجّم دورهم. صديقنا السحلية لا يعبأ بكل هذا، فأكثر الناس أمنا من اللصوص ليس أكثرهم حرصا، بل أشدهم فلسا، فليس لديه ما يخاف خسارته.

فبالعامية: خفوا على المشايخ، وهم لم يقصروا ولن يقصروا في الغالب الأعم إن شاء الله تعالى، وأعود وأكرر أن الواجب علينا لا تحريض المشايخ على اقتحام هذه المساحات، بل واجبنا العمل على تقوية صفهم، ابتداء برعاية طلبة العلم الشرعي معنويا وماديا، وانتهاء بالوقوف معهم في اشتباكاتهم مع السلطة القائمة، خاصة في بلد مثل فلسطين فقد فيه المشايخ الكثير من أدواتهم بحكم ارتباط أغلبهم بجماعة صارت محل حظر وملاحقة وتضييق لسنوات، وهذا لا ينفي أنني أدعو نفسي وكل من يملك منبرا من أهل العلم الشرعي أن يتكلم في هذه المسألة، ومنشوري هذا وغيره ضرب من التطبيق لهذه الدعوة..

وبمقابل إحجام المشايخ عن الخوض المباشر في هكذا أحداث، خوفا من المحاذير التي ذكرنا، نرى انتهازية واضحة من الهيئات النسائية، وهذا يأتي في سياق دفاع زعيم عصابة عن لص “مسكين” تعرّض للضرب من أهل سوق اكتشفوه يسرق أحد دكاكينه، بحجّة أنّ السارق يعرض على القاضي ولا يعرّض للضرب الأهوج هذا ..

وهذا حق أريد به باطل، فالسارق يعرض على القاضي ولا يجوز ضربه من أهل السوق، ولكن دفاع زعيم العصابة عنه لم يكن اعتراضا على ضرب من لا يجوز ضربه، فهو يسكت على ضرب غير زميل المهنة بل ويمارس الضرب في إدارته لعصابته، بل لشفقته على زميل المهنة في محاولة لخلق مشروعية للمهنة، وهنا بقدر ما تظهر دعوات العدالة في المشهد بقدر ما تكون غائبة عن الباعث والمقصد.

والهيئات النسوية ليس همّها كف الظلم عن النساء اللاتي يتعرضن للظلم بسبب ممارساتهن الأخلاقية المذمومة، فهم أس الظلم وأساسه، بمفارقتهم لشرع الله وكيلهم بمكيالين وانبتاتهم عن مجتمعهم خلقا وثقافة، ولكن باعثهم على ذلك – خيّب الله سعيهم- خلق مشروعية للفساد الأخلاقي، فهو سلعتهم التي يتربّحون منها ويستلذون بها.. وهنا نعود للأخ السحلية، الذي كان من أهم أسباب انتفاضه دفاعا عن تلك الزوجة. أنها كانت حسناء وكانت أول من قابله وابتسم له في القرية، حينها ظنّ أنها تبتسم للسحلية عشقا، وإن كانت في الحقيقة تبتسم للشيخ صاحب الفضيلة توقيرا.. فلا تغرنكم عمامة السحلية، ولا شعارات الهيئات النسوية!

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك رد

إغلاق