مقالات رأي

الإساءة للمرأة ليست من ديننا

الكاتب | يونس الجعبري

أعيش منذ نعومة أظفاري في جو الملتزمين دينيا.. ولدت في أسرة مسلمة تقيم الشعائر بشكل فطري وعلمي بقدر المتاح، ثم تنقلت بين المساجد ودور القرآن وكليات الشريعة والمدارس الشرعية والدعوات الإسلامية.. صحبتي في الغالب الأعم من رواد هذه الأماكن، وأكاد لا أرافق مدخنا علاوة عن أن يكون تارك صلاة أو هاجرا للدين.. وهذا من فضل الله علي أولا وأخيرا وأرجو أن يكون خيرا لي في دنياي وآخرتي
الحاصل أنني ما رأيت في كل تجربتي هذه أي تعنيف أو اضطهاد أو حتى إذلال للمرأة أو سوء معاملة لها، لا بدوافع دينية، ولا بدوافع اجتماعية في صفوف من أعرف من هؤلاء، بل يحصل العكس من تهمة ” محكوم” و”أرنب” وغير ذلك، وما نتعلمه ونسمعه في هذا المحيط يستنكر كل هذه التصرفات
فنسبة أي دعوى في الاعتداء على حقوق النساء في مجتمعنا للدين نسبة باطلة جملة وتفصيلا، نظريا وعمليا:

وهنا ثمّة ملاحظات:
1. الظلم الذي يحصل للنساء يحصل للأطفال والكبار والرجال، فالجزء الظالم من مجتمعنا لا يفرق بين رجل وامرأة في الظلم، طبعا تجليات الظلم وتداعياته تختلف باختلاف الجنس والعائلة والعمر وهذا شيء تبعي وليس أصليا، والحاصل في مجتمعنا أننا في الغالب ليس لدينا القدرة على التعامل مع المشكلات، ابتداء من المشكلات العائلية بين “دار فلان” و”دار علان” وانتهاء بالمشكلات التي تتعلق بالحيز الأخلاقي وما يتصل به من محرمات، فالأب الذي يقتل ابنته في مجتمعنا للأسباب أخلاقية لا يفعل ذلك إملاء من الدين، بل لأننا اعتدنا على حل المشكلات بهذه الطريقة، فمشكلة متر في الأرض، أو حتى لعبة كرة قدم بين أطفال، يتم حلها بطرق عنيفة، ومن يعتدي على امرأة لوقوعها في محاذير أخلاقية شرعية هو نفسه قد وقع في محذور شرعي أخلاقي.. فهو أخذ من الدين استشكال الحدث ولم يأخذ منه حلّه أو طريقة التعامل معه، فالحلول العنيفة في مجتمعنا – خاصة في الخليل- حلول قبلية بلطجية لا علاقة لها بعقلانية أو دين أو أخلاق.

2. مجتمعنا تحكمه عدّة محددات، الدين واحد منها وأحيانا يتصدر وأحيانا يتراجع لحساب غيره من المحددات، بحسب الظرف أو الشخص أو نوع الحادثة، وتعامل الناس مع كورونا أعطانا مؤشرا مهما حول انضباط الناس مع التوجيه الخارجي، فالتوجيه الصحي لم يجد نفعا في كثير من الحالات فأقيمت الأعراس، ولقي صدى في نفوس كثيرين فالتزموا، الشاهد أن خضوع الناس للتوجيه الخارجي بداعي الصحة – النجاة الدنيوية – أو الدين – النجاة الأخروية- ليس مسموعا بشكل مطلق، مما يجعل دراسة أي ظاهرة بمعزل عن الصورة الكاملة ظلم وعبث ويؤشر على سوء نية صاحبها.

3. الحركات النسوية لديها إشكالات كثيرة، وهي بشكلها الحالي مرفوضة جملة وتفصيلا، فهي ممولة من جهات مشبوهة، وتتصدرها شخصيات مشبوهة، وهي غير علمية وغير موضوعية، ولديها أهداف مشبوهة، ولا تراعي أيّ عامل من عوامل المجتمع الدينية أو الثقافية أو الوطنية أو الاجتماعية، لأنّها أصلا ببنيتها وكأنها وحيدة الخلية لا تنتسب إلى أي نسيج ولا تراعيه، ومواجهتها ضرورة شرعية ووطنية واجتماعية وثقافية.

4. أشكال مواجهة الهيئات النسوية الفعالة في الغالب معطلة لأسباب كثيرة أهمها هشاشة البنية التربوية الدينية في مجتمعنا بعد تغوّل السلطة بأجهزتها على كل مناحي الحياة تغولا سلطويا حمل بين طياته الإفساد لا تغول رعاية وإصلاح، وبالتالي فقد المجتمع الكثير من رصيده الذي يمكّنه أن يواجه أي خطر، ومع ذلك فالأمل موجود والفرصة ما زالت قائمة، وهنا نحتاج إلى خطاب حكيم يميز بين المطلب المشروع والمطلب المسموم والمطلب المرفوض، والأدوات المتاحة ما زالت كثيرة، والعاقل من انشغل بها بقدر استطاعته قبل أن يحدث ما لا يحمد عقباه، ونسبة هذه الأخطاء التي تشعل شهية هذه الهيئات النسوية نادرة جدا والحمد لله، فما زال الغالب الأعم محتفظا برصيد وافر من الأخلاق والتعقل في حل المشكلات.

أسأل الله أن يكف شر هؤلاء المفسدين، وأن يجعل سعيهم في الباطل دافعا لسعي أهل بلدي في الحق

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك رد

إغلاق