مقالات رأي
أخر الأخبار

استرجاع مسجدية آيا صوفيا أمر لا يخص الأتراك وحدهم

الكاتب | ساري عرابي

إرجاع مبنى آيا صوفيا إلى مسجد طموح إسلاميي تركيا وكثير من قومييهم منذ عقود طويلة، وهو ما عبّر عنه أردوغان مطلع تسعينيات القرن الماضي، وكان هذا يحتاج معركة طويلة مع العلمانية اللائكية التركية وجمهورية أتاتورك، وتدبيرًا غاية في الدقة والتعقيد مع القوى الدولية التي هيمنت على الدولة التركية الحديثة.

لا يعني ذلك أنّ الهدف هو مجرد استرجاع المسجدية، بل إن إرجاع المسجدية تتويج لتلك المعركة، وإعلان لبدء جمهورية تركية جديدة، بسردية جديدة متصلة بأصل الوجود التركي في تلك البلاد، فاسترجاع المسجدية لآيا صوفيا، تأكيد على شرعية الوجود التركي الإسلامي، وعلى السياق التاريخي والحضاري الذي تولّد فيه هذا الوجود، وبهذا الاعتبار يمثّل الإسلام عنصرًا جوهريًّا في هذا الوجود وهذه الذات.

صحيح أنّ أردوغان الذي أعلن مطلع تسعينيات القرن الماضي عزمه استرجاع مسجدية آيا صوفيا، هو نفسه أردوغان الذي عارض الفكرة حتى وقت قريب، لكن لا دلالة لذلك إلا أنه ينتظر التوقيت المناسب، وهذه هي السياسة باختصار شديد.

الرجل في رحلته الطويلة نتفق معه ونختلف معه، بل واجبنا الاختلاف معه في بعض القضايا والملفات، ولكنه أكد خلال هذه الفترة الطويلة أنه يطوي على مضمون أيديولوجي صلب، يسعى لتحقيقه ببراعماتية عالية قد تخفي ذلك المضمون، لكن صدقية المضمون هي التي تهيء له من الثقة ما لا يتهيأ لغيره.
أمّا التوظيف السياسي لاسترجاع مسجدية آيا صوفيا، في المنافسة التركية الداخلية، فهو تبسيط مخلّ للغاية، وإن كان التوظيف لا بدّ من حصوله، وإلا كيف يحقق الرجل مشروعه لو أهمل محفزّات فوزه ومعززات بقاءه في السلطة؟!

بالنسبة لنا نحن العرب والمسلمين، فإن إنهاء الخطر البيزنطي الذي هدّد وجودنا هو تتويج لما بدأه العرب المسلمون منذ مؤتة، وبقدر ما كان تحويل آيا صوفيا في حينه ذا دلالة على على إنهاء ذلك الخطر، فإنّ استرجاع مسجديتها اليوم ذا دلالة على دولة قوية متصالحة معنا وتربطها بنا قيم وثقافة مشتركة ومصالح مشتركة. فالأمر ليس بعيدًا عنّا ولا يخصّ الأتراك وحدهم.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك رد

إغلاق