مقالات رأي

نظرية التطور

الكاتب| يوسف محمد

الحقيقة أن مسألة التطور صراعٌ لا ينقضي بانقضاء حلقة من حلقات نقاشِه ، والجدل فيها قائم مستمر ليكتسب صفاته العقدية والعلمية من الأطر النقاشية التي يوضعُ فيها، وبذلك سيبقى هذا الصراع قائما بين من ينفي النظرية استنادا إلى القرآن الكريم انتقالا إلى الإثبات العلمي الذي يدعم وجهة نظرهم بتفنيد النظرية، وبين فئة أخرى جعلت العلم أساسها الذي انطلقت منه أي من يعتقدون صحة النظرية علميا ثم راحت تطوع النص القرآني ليناسب المسألة العلمية بحكم ادعاء يقضي بأن العلم كان الفيصل في قضايا كهذه ولم يكن الدين.

أما البحث العلمي فطويل وشائك في المسألة ويحتاج لقراءة مطولة لكل أركان النظرية ودراسة الدراسات القائمة عليها وتحليلها، وهذا جهدٌ رغم ثقله لا بد منه، ولكن حتى نخلُص لنتيجة واضحة حول ذلك فإننا نحتاج زمنا طويلا، قد لا يصبر عليه المتشككون فيراودهم السؤال عن أنفسهم فيشقيهم ولذلك عكفتُ على القرآن لأنه تناول مسألة الخلق وجاء على ذكرها في كثير من الآيات.

{إِن يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَسْتَخْلِفْ مِن بَعْدِكُم مَّا يَشَاءُ كَمَا أَنشَأَكُم مِّن ذُرِّيَّةِ قَوْمٍ آخَرِينَ}

يبدأ الشك بتملك البعضِ من هذه الآية التي تتحدث عن مسألة الإهلاك ثم الإحلال والتعويض بتقدير الله وأمره الذي يشاء له أن يكون، ولكن الجزء الأخير في الآية محير وغامض وعلى ذلك يقول مولانا ابن عاشور:

“والتشبيه في قوله : {كما أنشأكم من ذرية قوم آخرين} تشبيه في إنشاء موجودات بعد موجودات أخرى ، لا في كون المنشئات مخرجة من بقايا المعدومات كما أنشأ البشر نشأة ثانية من ذرية من أنجاهم الله في السفينة مع نوح عليه السلام ، فيكون الكلام تعريضا بإهلاك المشركين ونجاة المؤمنين من العذاب.”

ولفهم معنى الذرية لنزيل الغموض عن آخرين فالله جل وعلا يقول:

{وَإِذِ ابْتَلَىٰ إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ ۖ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا ۖ قَالَ وَمِن ذُرِّيَّتِي ۖ قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ}

يقول مولانا ابن عاشور في التحرير والتنوير:

“فإن إبراهيم عليه السلام رحل إلى آفاق كثيرة فتنقل من بلاد الكلدان إلى العراق وإلى الشام والحجاز ومصر ، وكان في جميع منازله محل التبجيل ولا شك أن التبجيل يبعث على الاقتداء ، وقد قيل إن دين برهما المتبع في الهند أصله منسوب إلى اسم إبراهم عليه السلام مع تحريف أدخل على ذلك الدين كما أدخل التحريف على الحنيفية ، وليتأتى الإيجاز في حكاية قول إبراهيم الآتي “ومن ذريتي” فيكون قد سأل أن يكون في ذريته الإمامة بأنواعها من رسالة وملك وقدوة على حسب التهيؤ فيهم ، وأقل أنواع الإمامة كون الرجل الكامل قدوة لبنيه وأهل بيته وتلاميذه .”

ويكتملُ الفهم لمعنى آخرين عندما نمعن النظرَ في الإجابة على تعقيب ودعاء إبراهيم عليه السلام “ومن ذريتي” فكانت: “قال لا ينال عهدي الظالمين” وهذا هو الاختلاف فليس معناه التطور بل هم آخرون في درجة استحقاقهم والتزامهم أي إن المؤمن قد يكون من ذريته الكافر والعكس.

أما معنى الذرية فهو: نسل الرجل وما توالد منه ومن أبنائه وبناته.

وعلى ذلك المعنى تؤكد الآية الأولى في فاتحة سورة النساء:

{يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً ۚ }

يقول مولانا ابن عاشور في التحرير والتنوير:

“جاء الخطاب بِ يا أيها الناس: ليشمل جميع أمة الدعوة الذين يسمعون القرآن يومئذ وفيما يأتي من الزمان. فضمير الخطاب في قوله خلقكم عائد إلى الناس المخاطبين بالقرآن ، أي لئلا يختص بالمؤمنين – إذ غير المؤمنين حينئذ هم كفار العرب – وهم الذين تلقوا دعوة الإسلام قبل جميع البشر لأن الخطاب جاء بلغتهم ، وهم المأمورون بالتبليغ لبقية الأمم”

ويقول عن هذه الدعوة: “دعوة تظهر فيها المناسبة بين وحدة النوع ووحدة الاعتقاد”

فالخلقُّ كانَ من نفسٍ واحدة وهي الصلة الأولى، ثم خلق من هذه النفسِ زوجها وهي الصلة الثانية، ثم بث من هاتين الصلتين رجالا كثيرا ونساء، والبث هو النشر والتفريق للأشياء الكثيرة.

أما الصلة الأولى وهي النفسُ التي خُلِقنا منها فخلقُها بدأ من طين:

{الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ ۖ وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنسَانِ مِن طِينٍ}

ثم تناسل الإنسان وتكاثر وتوالد وصار له ذرية:

{ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِن سُلَالَةٍ مِّن مَّاءٍ مَّهِينٍ}

ثم كان الإنسانُ بعد ذلك على هيئته التي هو عليها بعد أن سواه الله في أطوار نموه وليس تطوره، فهو ما زال نوعا نقيا لم يختلط أو ينحدر من أي سلالة أخرى:

{ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِن رُّوحِهِ ۖ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ ۚ }

وتحدث الله عن الإنسان جل وعلا نوعًا ثم تحدَّث عن آدم عليه السلام بشرًا إنسانًا بتطابق تام في عملية الخلق:

{وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ مِن صَلْصَالٍ مِّنْ حَمَإٍ مَّسْنُونٍ}

ثم تحدث عن آدم بشكل صريح بنفس التطابق الذي بدأ منه النوع الإنساني البشري:

{إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِّن صَلْصَالٍ مِّنْ حَمَإٍ مَّسْنُونٍ (28) فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ}

وعلى ذلك لا نجدُ في القرآن ما يدل على تطور الإنسان عن أي نوع آخر من المخلوقات، فسلسلة الخلق متصلة مغلقة لا نقصان فيها مكتملة نوعا نقيا خالصا.

#نظرية_التطور
#تصور_قرآني
#النوع_البشري

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك رد

إغلاق