مقالات رأي
أخر الأخبار

أول يوم في سجن الدامون

الكاتبة| شذى ماجد حسن

هذا اليوم محفور بذاكرتي بكل تفاصيله، وبكل المشاعر التي سيطرت عليّ آنذاك، سأرويه بتفاصيل التفاصيل، فما زلت أذكره كل ليلة وشعور ما يسيطر عليّ لن أنساه، ولن تنسيني إياه مرور الأيام.

في 17.12.2019 بعد أن أتاني خبر أنه سيتم نقلي إلى سجن الدامون عند الأســيرات، لم أستطع النوم، فأنا الآن مثقلة بالشوق إلى أهلي وأحبتي وجامعتي، ومثقلة ب 3 شهور إداري ظالمة، ومثقلة برهبة اللقاء الأول للأســيرات اللواتي طالما سمعت عنهن، وبكيت على حالهن، كانت قضيتهن تشغلني دوماً ولا أملك لهن سوى الدعاء، وكانت رنة المنبه الخاصة بي عند الفجر أنشودة “والله ما نسينا والله ما نسينا صبر الحرائر في الزنازينا”، لأتذكرهنّ وأدعو لهنّ، ولكن لم أتوقع أن أكون بينهنّ في يومٍ من الأيام، كنت أظنه أمراً بعيد المُحال، ولكن طالما نحن تحت احتلال ظالم فالاعتقال هنا كالموت، قضيت تلك الليلة بالدعاء والابتهال إلى الله أن يحدثَ أمراً ما ويتراجعوا عن قرار الإداري وأعود إلى البيت، كان الإيمان في قلبي بلغ أشُدّه، واستحضرت قصص الأنبياء والمعجزات، وبقيت طول الليل أدعو أن تحدث المعجزة وأن لا أذهب إلى السجن وأعود إلى بيتي، كنت أشعر أنني في حلم، وسأستيقظ منه وأجد نفسي في تختي الدافئ، اتى العدد الصباحي وقال لي ضابط العدد أن أجهز خلال نصف ساعة لأن البوسطة ستأتي الساعة السابعة صباحاً لنقلي إلى سجن الدامون، ورقة الإداري في يدي والضابط يقول أنني الآن سيتم نقلي إلى السجن، والأســير الأمــني بالزنزانة التي بجانبي يبعث لي بكلمات ويقول لي: سلامنا لكل الأســيرات وديروا بالكم على حالكم.. مع كل هذا ومع كل هذه التأكيدات ألا أنه كان ثمة أمل في داخلي أنني أنا الآن ذاهبة إلى البيت وليس إلى السجن نعم، كان الأمر أكبر من أن يتصوره عقلي، أنا التي لم أحتمل أن أغيب عن أهلي يومين متتاليين قضيتهما عند صديقاتي في السكن، وكنت أنتظر انتهاء الدوام بفارغ الصبر لأعود إلى البيت وأجالسهم، كيف سأغيب عنهم كل هذه المدة مُرغمة؟! بعض الأمور توقيتها مُفاجئ ووقعها صعب على النفس، تماماً هكذا كان وقع الاعتقال والإداري على نفسي.

قبل أن أخرج تأملت الزنزانة جيداً، تأملت البرش، والفرشات المهترئة التي قضيت الليالي عليهن، تأملتهن حتى لا أنسى، وكيف أنسى زنزانة قضيت بها أصعب أيامي حياتي..! خرجت من بابها ومشيت في الممر مثقلة، أشعر أنني تخلصت من شيء ثقيل وذاهبة إلى شيء أثقل، وضعوا السلاسل في يدي وقدمي.. كنت قد ارتحت منهن قليلاً في اليومين السابقين لأنني لم أخرج من الزنزانة، إلا أن آثارهن باقية وكنت أشعر أن شيء ما يُقيدني حتى وأنا نائمة، ركبتُ البوسطة المشؤومة، وسارت بنا وتجولت داخل شوارع وطننا الجميل المسلوب، تناسيت أنني أنا الآن في القبر المتنقل “البوسطة” وتناسيت أنني ذاهبة إلى السجن، وبدأت اتأمل من شباك البوسطة المليء بالثقوب مدننا الجميلة التي حُرمنا منها، كنت مستمتعة رغم الألم، بكل هذا الجمال، ولكن شيء بداخلي يمزقه القهر.

كان يرافقني في البوسطة أشبال لا أعلم من أين أتوا.. ولكن سمعت أصواتهم وحديثهم وعرفت أنهم أشبال وسيتم نقلهم إلى قسم الأشبال في سجن الدامون، فجأة عَلا صوت أحدهما : “محمد محمد شوف البحر”، ليجيب صوت الآخر: “اه والله بحررر بحررر”.. كان في صوتهما شيء من البهجة والحماس يدل على الحرمان.. بدأت أزيح بنظري أنا الأخرى لأشاهد البحر ولكنني لم أره.. فعلى ما يبدو أنه على الجهة المقابلة، توجعت كثيراً على لهفة هذين الشبلين. وتوجعت أكثر على وجودهما هنا في هذه المركبة المريرة.

وصلت إلى مكان أعرفه جيداً.. وكنت قد زرته قبل سنتين من الآن نعم إنها حيفا – جبال الكرمل.. هذا المشهد شاهدته في رحلة عام 2017 زرت فيها لأول مرة رأس الناقورة وحيفا.. وكنا وقتها قد مررنا من باب سجن الدامون ودعونا للأســيرات هناك.. وأنه القدر يُعيدني إلى نفس المكان ولكن بظروف موجعة وقاهرة.. ابتسمت لجمال المنظر فطالما سحرني بالصور وعندما شاهدته لأول مرة.. وقلت فعلاً للقدر عجائبه من كان يتوقع يوماً أن آتي إلى هذا المكان أســـيرة..!

وصلنا إلى باب السجن الدامون فهو يقع في حيفا.. أعلى دالية جبل الكرمل.. توقفت البوسطة قليلاً أمام بوابة السجن..ثم أنزلوني من البوسطة.. ودخلت إلى غرفة التفتيش، تمَ تفتيشي وتفتيش الأغراض التي معي، ووضعوني في زنزانة الانتظار.. هنا في هذه الزنزانة أدركت حقاً أنني الآن في السجن.. ولستُ أحلُم.. تأملت المكان وبدأت أنتظر الوقت ليمر والآقي الأســيرات مع أن الرهبة كانت تُسيطر عليّ.. مر وقتٌ طويل عليّ في هذه الزنزانة.. أمضيت هذا الوقت بتهيأةٍ نفسي إلى تقبل حياة السجن.. وبدأت أضع الخطط لاستغلال هذه المدة.. والحمد لله نجحت في زراعة الأمور الإيجابية ولم أسمح بأن تستحوذ عليّ الأفكار السيئة.. فكنت مدركة أن الأنسان أفكار اذا استحو

ذت عليه ملكته.. ولكن ثمة شيء ثقيل كان على صدري.. أظنه وجع البُعد والفراق.. إنّه الشوق.. أو أظنه شعور الإنسان الحُر الذي لا يحتمل أن يؤسر ويحتمل كل هذا الذل والظلم..

وأنا في الزنزانة.. شاهدت مجموعة من الأســيرات في أيديهن سلاسل يُفتح لهن باب أبيض اللون ويبدأنّ بالدخول كل اثنتين سوياً.. عرفت منهن زميلاتي في الجامعة “ميس أبو غوش وسماح جرادات” .. والأســيرة “خالدة جرار” والحبيبة “بيان فرعون”.. لم أفهم لماذا السلاسل بأيديهن ولا إلى أين هن ذاهبات.. وبعدها تبين لي أنهن كن في زيارة لأهاليهن.. وحالياً عائدات إلى القسم..

أثناء تواجدي في الزنزانة.. أتت أســيرة بملابس الصلاة.. ابتسامتها تسبقها.. وفي صوتها شيء يدعو للاطمئنان.. قالت لي: “أنتِ شذذى؟ الحمد لله على سلامتك.. أنا شرووق دويات بنستناكِ في القسم تطوليش علينا” وغادرت المكان، وبعدها علمت أنها كانت في الزنزانة التي بجانبي وكانت المحامية في زيارتها.. شروق دويات هذا الاسم سمعته مراراً ورأيت صورها كثيراً.. وياما تمتمتُ بترانيم أنشودة يا خيتا الدم ومقطع “شروق دويات عزمك ما هان..” ها أنا اليوم في نفس المكان مع شروق.. فعلاً ما تخبئه لنا الأيام مُخيف..

بعد وقت طويل.. أتت لي السجانة واصطحبتني إلى مكتب.. يوجد فيه امرأة كبيرة بالسن أظنها ضابطة الأســـيرات تجلس على جهاز الكمبيوتر أمامها الكثير من الأوراق.. جلست على الكرسي وقالت: “سنأخذ لكِ صورة لإكمال إجراءات الملف” .. ابتسمت للصورة.. فنظرت لي متعجبة وقالت: “في حدا بيجي على هذا المكان وبكون مبسوط؟” قلت لها: “لا.. والابتسامة لا تعني الانبساط..”

وأعطتني ورقة تحمل تاريخ الاعتقال.. وتاريخ الإفراج، وقعت عيني على تاريخ الإفراج “11.3.2020” .. يا الله كل هذه المدة سأقضيها هنا.. يا الله ارزقني الصبر والتحمل..

ثم تم اصطحابي إلى مكتب ضابط المخابرات في السجن، عَلا وجهه ابتسامة خبيثة، وقال لي:”اهلاً وسهلاً شذى.. شو جابك عنا؟”
قلت له: “بالغلط..”
فابتسم وأكمل بتقليب الملف..
– كم عمرك؟
– 21 سنة..
– 21 سنة صغيرة، وإداري!! أوف ليش شو عاملة!
– حكتلك بالغلط .. وأنا اللي لازم اسألكم شو عاملة..
أكمل تصفح الملف حتى وصل إلى ورقة وشهق:
– اوه حمـاس.. بالغلط شذى بالغلط اه؟

وأغلق الملف .. وتم اصطحابي إلى القسم..
قسم 3 سجن الدامون غرفة 4 لقاء الأســــيرات

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك رد

إغلاق