مقالات رأي

ملاحظات على مسألة أيا صوفيا

الكاتب | يونس الجعبري

ملاحظات على مسألة أيا صوفي
1. تحويل المبنى من كنيسة لمسجد لم يكن بدافع الهيمنة الدينية بل بدافع الهيمنة السياسية، وإلا فثمة عشرات الكنائس بقيت على حالها يومها وصارت اليوم بالمئات في إسطنبول. وهنا يجب أن نميّز بين النمط والسلوك، فالنمط الإسلامي المستقر فقها وعملا أن لا تصادر الأماكن الدينية، ويشهد لذلك ما حصل عبر تاريخ هذه الأمة، بينما قد يخالف هذا النمطَ سلوكٌ لاعتبارات خاصة، وهذا ما حصل في أيا صوفيا، التي تعتبر رمزا لهذه المدينة العظيمة جغرافيا وسياسيا وتاريخيا وعسكريا، وكان لا بد في نظر الفاتح من تتويج السلطة الإسلامية عليها بقلب رمزها معبدا إسلاميا، وهذا له بعد مهم، وهو أن الإسلام دين ناسخ للمسيحية الحقة التي بني هذا المعبد لها، والحرب كانت إسلامية مسيحية، أي بعدها بعد دين، وإعلاء الرموز الدينية هو تتويج للانتصار، وهنا نتكلم عن الرموز لا عن الحق في العبادة. في المقابل نرى أن النمط المعتاد لدى الصليبية إهانة معابد الآخرين، والدليل على ذلك تحويل جميع المساجد الإسلامية في الأندلس وغيرها، وهنا نكرر ما ذكره البعض أنّ عدد المساجد في أثينا صفر. مما يدل على أنّ النمط الأوروبي كان نمط الاعتداء على الحق الديني في العبادة، وليس مجرد بسط سيطرة ونفوذ سياسيين.

ولا بد من قراءة الحدث في سياق زمن الفاتح وليس في سياق عام 2020، ومن السخف ردّ البعض أن لليهود الحق في تغيير معالم فلسطين اليوم إن قبلنا بتغيير أيا صوفيا، وهذا كلام لا يقول به إلا جاهل باختلاف البنية السياسية للدولة الحديثة، وشكل العلاقات بين الدول بعد عهد ويستفاليا، والمواثيق والهيئات الدولية والأممية.

وسنبقى كمسليمن نشعر بالألم على ما حل بمساجدنا في أوروبا بعد الهزيمة العسكرية التي حلّت بنا، لا لأنّها نتيجة مباشرة لخسارتنا العسكرية وحسب، بل لأنّ ما حصل لمساجدنا في أوروبا بداعي الإهانة والتحقير، لا بداعي بسط السيطرة السياسية كما حصل في أيا صوفيا، فقد حول بعضها إلى حظائر وبارات، فحرقتنا لا على نتائج خسارة معركة فحسب، بل على إهانة زائدة عن مقتضيات خسارة الحرب تعرّضت لها مساجدنا.

2. الإسلاميون وكثير من القوميين الأتراك ينظرون إلى ميراثهم العثماني كميراث مقدس حصل الانقلاب عليه ويريدون استرداده برموزه قبل جوهره، وهم لا يخضعون هذا إلى أي اعتبار ديني أو أخلاقي، لأنهم يعدون نفسهم ضحية تم مصادرة هويتها وسيادتها، وهم يعتبرون الخروج من هذا الحال بجزء كبير يتمثل بعودة المظاهر التي كانت قبله، حتى لو لم تكن ذات قيمة أبدا.

3. ما حصل هذا الأسبوع تحويل متحف إلى مسجد متحف، بمعنى أنّ السائحين يستطيعون زيارته فلا تغيّر على كونه متحفا.. وهو لم يعد كنيسة منذ مئات السنوات، وعليه فالغضب المسيحي غير مفهوم إلا بسياق المناكفة السياسية أو الرضوخ للمشاعر الدينية العنصرية، نعم من حقك كمسيحي الشعور بالألم على خسارة أجدادك معركة قبل مئات السنوات، ولكن ليس من حقك مصادرة حق شعب كامل باسترجاع شيء من هويته المصادرة ظلما وغصبا، وإعادة إقامة الصلاة في هذا المبنى ليس تتويجا للانتصار على قسطنطين صاحب القسطنيطنية يوم الفتح، بل هو تتويج للانتصار على التدخل الأوروبي في تركيا في مرحلة ما بعد الحرب العالمية الأولى من خلال المنهج الأتاتوركي المنقلب على الروح العثمانية، فالجميع استحضر اليوم أتاتورك .. وغاب قسطنطين عن المشهد .. فقد غيّبه الفاتح وإلى الأبد، كما يحاول بعض الأتراك الآن أن يفعلوا لأتاتورك.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك رد

إغلاق