مقالات رأي

ضم الأغوار وأجزاء من الضفة وأحلام السلام الموهوم!

الكاتب: حسن مليحات

في الطريق على طول الحدود الفلسطينية الأردنية، شرق الضفة الغربية، نفهم لماذا يتخذ الصراع في الأغوار شكلاً مختلفاً، أمنياً وسياسياً وسيادياً واقتصادياً ومائياً وجغرافياً وديموغرافياً، وفي مجمله يبدو وجودياً ومتعلقاً بالمستقبل.

هنا في “قاع العالم” المنطقة الأكثر انخفاضاً عن سطح البحر، وفيما يتأجج صراع سياسي وقانوني حول ضم المنطقة الفلسطينية لإسرائيل، وتأخذ التهديدات أبعد مدى ممكن، ثمة هدوء على الأرض لا يوازيه أي شيء آخر في باقي الضفة، لم نعرف إذا ما كان هدوء العاجزين في مواجهة القوة المحتلة، أم هدوءاً يسبق عاصفة الضم، وهي خطة قيد التنفيذ وافقت عليها الولايات المتحدة.

عندما تسير في منطقة الأغوار يبدو الأردن على مرمى حجر، بيوت الأردنيين ومساكنهم وأراضيهم ومزارعهم وشوارعهم، لا يفصل بينها وبيننا سوى خطين من الأسلاك الشائكة وتحذير صارم من وجود ألغام أرضية وبعض المجسات، وهو واقع ما زال غير مهضوم بالنسبة إلى كثير من سكان المنطقة كانوا قبل الاحتلال الإسرائيلي يتناولون عشاءهم في المملكة ويعودون إلى فلسطين.

وتعد هذه المنطقة أجزاء من حفرة الانهدام الأفروآسيوية وهي من أكثر بقاع الأرض انخفاضاً، وتقع على انخفاض نحو 380 متراً تحت سطح البحر. ومثل باقي الضفة الغربية، تقسم مناطق الأغوار الآن إلى “أ” و”ب” و”ج” حسب اتفاق أوسلو عام 1993، وأغلب الأراضي هناك هي مناطق «ج» ومناطق تدريب عسكرية فمنطقة الأغوار الفلسطينية، أو “غور الأردن” كما يسميها البعض هي القطاع الشرقي للضفة الغربية، الذي يشكل 30% من مساحتها الكلية التي تبلغ 1.6 مليون دونم (الدونم ألف متر مربع)، وتمتد حوالي 120 كم على طول الضفة الغربية، ويبلغ عرضها 15 كم ومساحة الأراضي الزراعية فيها 280 ألف دونم، أي 38% من مساحتها الكلية، حيث يستثمر الفلسطينيون ما لا يقل عن 50 ألف دونم، بينما يستثمر المستوطنون 27 ألف دونم ،وتوجد فيها 27 قرية تتعرض للمضايقات ومحاولات التهجير المستمرة، وأقيمت 31 مستوطنة على 12 ألف دونم من أراضيها حتى عام 2015، وتتبع لهذه المستوطنات أراض مساحتها 60 ألف دونم كملحقات غالبيتها استخدمها المستوطنون للتوسع الاستيطاني والزراعة والصناعة، وأقاموا فيها مزارع لتربية الدواجن والحيوانات، وتسيطر إسرائيل على 400 ألف دونم منها بذريعة استخدامها كمناطق عسكرية مغلقة، وأنشأت عليها 90 موقعا عسكريا منذ احتلالها عام1967.

لم يُخفِ نتنياهو أنه بدأ في رسم خرائط للأغوار، بل بدأت وزارة الداخلية الإسرائيلية، بحسب ما أعلن الوزير أرييه درعي، العمل على القضايا البلدية والقانونية، التي ستترتب على تطبيق السيادة، والخطة الإسرائيلية تشمل ضم 36 مستوطنة في المنطقة يعيش فيها نحو 9000 مستوطن، وأيضاً بعض التجمعات العربية التي يعيش فيها 5000 فلسطيني، مثل المالح وخربة الحمصة وكردلة وبردلة وخربة الرأس الأحمر وعين البيضا والحديدية والفارسية والحمة والعقبة ومرج نعجة وغيرها.

قد يبدو لافتاً أن القيادة الفلسطينية تعيش حالة من التخبط والأرباك والحيرة وشيء من الاستسلام للواقع، ومردّ ذلك أنه لم يعد لديها من الأوراق السياسية ما تقاوم به مخططات الحكومة الأسرائيلية ازاء ضم مناطق الأغوار.

لقد صرّح رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في مؤتمر له خلال حملته الانتخابية، بتاريخ 17/9/2019، بأنه سيفرض السيادة الإسرائيلية على منطقة غور الأردن وشمال البحر الميت في الضفة الغربية إذا أعيد انتخابه رئيسًا للحكومة المقبلة، حيث قال مخاطبًا الناخبين الإسرائيليين: “إذا تلقيت منكم تفويضاً واضحاً للقيام بذلك، أعلن اليوم نيتي إقرار سيادة إسرائيل على غور الأردن وشمال البحر الميت”. كما وعد نتنياهو ناخبيه بأن “يُقدّم للكنيست المقبل مشروعًا كاملًا لنشر مستوطنات في منطقة غور الأردن، وبأن يضم مستوطنات أخرى بعد نشر خطة ترامب للسلام، وعلى الطرف الآخر، أدلى حايلي تروبر ويوعز هندل، عضوا الكنيست عن حزب “أزرق أبيض”، المنافس لليكود، بتصريحات للإذاعة الإسرائيلية، بتاريخ 7/11/2019، أكدا فيها أن “أزرق أبيض”، بزعامة بيني غانتس، مستعد للذهاب إلى فرض السيادة الإسرائيلية على غور الأردن وشمال البحر الميت.

من جانب آخر أعلنت وزارة الخارجية الأميركية، أن واشنطن مستعدة للاعتراف بالضم وفرض السيادة الإسرائيلية على المستوطنات وأجزاء كبيرة من الضفة الغربية المحتلة، داعية في الوقت نفسه الحكومة الإسرائيلية المقبلة للتفاوض مع الفلسطينيين ،وكان الرئيس الأميركي دونالد ترامب، كشف في أواخر كانون الثاني/يناير عن “رؤيته” للسلام في الشرق الأوسط والتي أعطى فيها إسرائيل الضوء الأخضر لضم غور الأردن، المنطقة الإستراتيجية التي تشكل 30 في المئة من مساحة الضفّة الغربية، والمستوطنات المبنية في الضفة الغربية والقدس الشرقية المحتلة التي باتت في نظر الإدارة الأميركية جزءا لا يتجزأ من العاصمة الموحدة لإسرائيل ،وتعتبر المستوطنات المبنية على الأراضي الفلسطينية المحتلة والتي يتجاوز عددها حاليا 200 مستوطنة غير شرعية في نظر القانون الدولي ،ولقيت خطة ترامب رفضا باتا من الفلسطينيين مدعومين بالقسم الأكبر من المجتمع الدولي، كونها تغلق الباب أمام حلّ الدولتين في الشرق الأوسط.

فالمراقب يرى بكل وضوح  بأن إسرائيل نجحت في تصفية ما كاد يصبح حقائق ثابتة اجمع عليها المحللين والمهتمين بالصراع والتي مفادها بأن السلام لن يتحقق الأ وفق صيغة حدود الرابع من حزيران/1967 ،فالأحزاب الصهيونية تدرك أنها أمام لحظة تاريخية مواتية لفرض حل بموافقة الفلسطينيين أو بدون موافقتهم، يضمن لهم تحقيق كامل الحلم الصهيوني بفرض السيادة على فلسطين التاريخية وتصفية قضيتها، وهي تصطف جميعها حول هذا الهدف،وكذلك تسعى اسرائيل إلى إلغاء الوجود الفلسطيني في الأغوار ومنع أي تطور فيها، وتهويدها مبني على رؤية استراتيجية صهيونية تقوم على إجهاض فكرة إقامة الدولة الفلسطينية، واختيار الاحتلال كمنهج نهائي وأبدي، وقطع الطريق على أحلام السلام الفلسطينية والعربية؛ ولهذا فإنها هي وحليفتها الولايات المتحدة الأمريكية متفقتان على ضم المنطقة للدولة الصهيونية، وإن قرار الضم يحظى بتأييد الرأي العام الإسرائيلي ومعظم الأحزاب السياسية، وتم اتخاذه منذ سنوات.

الصهاينة يدركون جيدا أهمية منطقة الأغوار الاقتصادية والعسكرية والاستراتيجية لاستمرار الاحتلال، وإفشال حل الدولتين، ومنع نمو وتطوير المجتمع الفلسطيني؛ ولهذا فأن سيطرتهم يلحق ضررا بالغا بالاقتصاد الفلسطيني بحرمان الفلسطينيين من “سلة الغذاء” الأهم التي يملكونها، والتي تشكل 50% من إجمالي المساحات الزراعية في الضفة الغربية، وتنتج 60% من إجمالي الخضروات والفواكه في فلسطين، كما وتعد مرفقا سياحيا هاما لكونها تحوي البحر الميت الذي يجذب أعدادا كبيرة من السياح، لقد رفضت سلطات الاحتلال إصدار تصاريح للفلسطينيين للبناء فيها مهما كان نوع البناء: منازل، فقد هدمت في الفترة ما بين 2006/ 2017 ما يزيد عن 698 وحدة سكنية، ودمرت وأخلت 806 مبنى غير سكني على الأقل في المنطقة، وشردت ما مجموعه 3000 ساكنا، وتسعى لترحيل ما يزيد عن 10000 فلسطيني يسكنون في أكثر من 50 تجمع سكني وخاصة شريحة البدو الذين يسكنون في المناطق المصنفة (ج) حيث عانت هذه الفئة وما زالت تعاني من ويلات الهدم والترحيل القسري من قبل حكومات الاحتلال المتعاقبة ،علما بأن السلطة الفلسطينية لم تقدم لتلك الفئة اي دعم يذكر لترسيخ بقائهم وصمودهم هناك ؛ واسرائيل تستغل المنطقة لاحتياجاتها هي إذ تمنع الفلسطينيين من استخدام نحو 85% من المساحة، ومن المكوث فيها، ومن رعي مواشيهم فيها، وتمنعهم حتى من جمع الخضروات التي تجود بها الطبيعة كالخبيزة والعكوب.

السلطة الفلسطينية وعلى لسان الرئيس محمود عباس أكدت عقب إعلان نتنياهو أن “جميع الاتفاقات الموقّعة مع الجانب الإسرائيلي وما ترتّب عليها من التزامات تكون قد انتهت، إذا نفذ الجانب الإسرائيلي فرض السيادة الإسرائيلية على غور الأردن وشمال البحر الميت وأي جزء من الأراضي الفلسطينية المحتلة العام 1967″، وهنا يثور تساؤل كبير عن اي اتفاقيات تتحدث السلطة الفلسطينية والتي تهدد بانتهائها؟!

منذ أن بدأت المسيرة السلمية، بهدف تصفية القضية الفلسطينية تحت يافطة حلها، رافق تعثُّرها المتعمَّد والهادف لحلب المزيد من التنازلات العربية والفلسطينية عجاج تضليلي لا ينقطع ساهم في إثارته كافة أطرافها وكلٍ من موقعه، كان خلطة من غبار أكاذيب، وضباب ايهامات، ودفق تسريبات مبرمجة، وسيل اخاديع مفضوحة لكنما مستحبة لدى معشر الانهزاميين العرب والفلسطينيين.

بيد أن هذه المسيرة الكارثية، أما وقد قطعت في معارجها ومدارجها قرابة الربع قرن وحققت للمحتلين ما حققته متمثلاً في الواقع الذي أوصلت القضية إليه راهناً، فمن شأن إنجازاتها المنعكسة في راهن، الحالة الأوسلوية البائسة، وشائن انحطاط الواقع العربي، أن سهلَّت لرعاتها الأميركان الانتقال من طورالحليف المنحاز والمتبني لرؤية حليفه المدلل للعملية التصفوية، إلى طور الشراكة كاملة الأوصاف معه، ومحاولة فرضها مستعيناً،  بمقاولي  الخيانة في الباطن من الأعراب للضغط على التسوويين الفلسطينيين لقبول ما ليس بمقدورهم، أو لا يجرؤون على قبوله.

هذا الانتقال بدأ بدفع العملية التصفوية لنهاياتها المنشودة عبر اردافها بغموض تكفَّلت به ما دعيت “صفقة القرن”، هذه التي ابتدعتها، او هكذا صوُّرتها، مخيلة الرئيس الأميركي دونالد ترامب، والتي منذ أن أطلق فقاعتها ظلت مجللة بالغموض، وعلى وقع نقائض حديثها يثور كل ما سبق وأن ثار من عجاج عبر خطى المسيرة الأم منذ أن بدأت، أكاذيب يتم تكذيبها بعد تصديقها، وإيهامات تترى سريعة الانقشاع، وتسريبات تتوالى يتلاطم زائفها بمؤكدها، وهكذا… المهم الوقت يمضي لصالح التهويد، والحالة العربية الرسمية سائرة إلى التطبيع واعتماد العدو البديل بدلاً من الأصيل، والفلسطينيون المستفرد بهم، هم أوسلويون تحاصرهم تنازلاتهم وتنهال عليهم الضغوط الشقيقة والعدوة، ومقاومون محاصرون من العدو والصديق.

في خضم ذلك لا بد من القول بأن التسريبات الاحتلالية الموازية والقائلة بأن المطروح هو شكل ما لدولة فلسطينية “بحدود غير متصلة” وتواجد عسكري احتلالي ما بين أوصالها غير المتصلة، وإن تنفيذها قد يستغرق 30 عاماً، يتضح لنا أننا إزاء كذبة تصفوية، أو أخدوعة أخرى بعد استنفاد الغرض من احبولة “حل الدولتين” الإيهامية وسحبها من التداول بعد أن تجاوزتها عملية فرض الوقائع التهويدية على الأرض ، وإن الحليفين الشريكين، الأميركان واسرائيلهم، ليسا في وارد التفاوض على حلول، وإنما يسعيان لفرضها وفق تصورهما الواحد للتصفية ودليلنا هو أنه، إذا ما تمت إزاحة القدس، واللاجئين، والمستعمرات، من على طاولة المفاوضات، فما الذي تبقى للتفاوض حوله، سواء أكان متصلاً أو غير متصل، ويمكن للأوسلويين توفُّر الجرأة على قبوله؟

بالمقابل، قيل الكثير فيما سميت من قبل البعض بخطبة الوداع وهي ليست وداعا، التي القاها رئيس السلطة في الاجتماع الدوري الذي عقده “المجلس الثوري” لفتح السلطة، وخرج فيها عن النص ليخاطب المجتمعين قائلاً “قد تكون هذه آخر جلسة لي معكم”. ومما قاله أيضاً، “لن اختم حياتي بخيانة”، والمقصود هنا قبول “صفقة القرن” المعروضة، أو التي ستعرض، لن ندخل هنا في لجة التكهنات والتفسيرات التي أثارتها عبارته الوداعية هذه، وهي عديدة، ولكننا نقول بأنه ولربع قرن  خلى أن النهج السياسي للسلطة الفلسطينية لم يتغير وبقى في مربع التهديد والوعيد الذي اصبح لم يجدي نفعا ، وفي اجتماع المجلس المركزي تم التأكيد عليه، وبالتالي، لم تنفَّذ اللجنة التنفيذية في اجتماعها الذي تلاه ولا توصية من توصياته السابقة أو اللاحقة، لم يسحب الاعتراف بالكيان المحتل ولم يتوقف التعاون الأمني مع المحتلين، وأعادت تأكيدها على ذات النهج والبرنامج لطالما لوَّحوا بتهديدات مشابهة تستدر الحلول، أو لدفع الضغوط، وتم التراجع عنها، ومنها التهديد بإقفال السلطة وإعطاء المفتاح لنتنياهو وأخيراً، لقد اخذ المسار الانهزامي التسووي أصحابه إلى نهايته المحتومة ها هم يواجهون الآن خذلان كافة من راهنوا عليهم لإيصالهم برَّ التسوية الموهومة فماذا نحن فاعلون ازاء ضم اجزاء من الضفة الغربية والاغوار؟!

مما سبق نخلص الى القول بأنه ومن الناحية العسكرية والاستراتيجية فإن السيطرة على الأغوار تمكن إسرائيل من محاصرة الضفة الغربية، وتضمن تحكمها بدخول وخروج الفلسطينيين وعزلهم عن إخوانهم الأردنيين والعرب الآخرين، وتمنعهم من إقامة دولة مستقلة قابلة للاستمرار والازدهار، وتحرمهم من إمكانية تكوين تحالفات قد تساهم في إقامة اتحاد أو وحدة اردنية فلسطينية مستقبلية أو كيان عربي، وتخدم إسرائيل بدعم مشروعها التوسعي في الوطن العربي؛ فوجود جيشها على الحدود الأردنية يشكل تهديدا مستمرا للنظام الأردني، ويمنع، أو على الأقل يعيق، أي محاولات مستقبلية لانطلاق أعمال مقاومة مسلحة ضدها عبر الأردن، ويدعم مخططاتها لاحتلال مناطق عربية أخرى.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك رد

إغلاق