مقالات رأي

الضّم: “إسرائيل” تُهندس الأرض، السُّلطة تُهندس الصمت

ساري عرابي

في النصف الثاني من تسعينيات القرن الماضي، أخذ الاحتلال يشقّ طريقاً يفصل به قرية رافات عن مدينة رام الله. تقع القرية شمال محافظة القدس، وتلتصق بجنوب مدينة رام الله. كذلك، يفصلُ هذا الطريق مدينةَ رام الله عن معسكر عوفر. ويمتدّ الطريق ذاته من بوابة المعسكر الشماليّة إلى حيّ “عين أم الشرايط”، فيفصل أجزاءً من هذا الحيّ عن مدينة البيرة التي يتبع لها. يمتد الطريق فاصلاً فيما يبدو قرية “كفر عقب” كذلك. فيما بعد، أصبح هذا الطريق داخليّاً للفلسطينيين، ولم تكن قد اتضحت بعد أهداف الاحتلال من شقّه ثمّ إهماله. كان هذا طريق الفصل الأوّل.

بانت نوايا الاحتلال لاحقاً، مع نهاية التسعينيات، حينما بدا أنه تنازل عن الطريق الأوّل (الفاصل بين رافات ورام الله) وعاد ليقطع قرية رافات عن فضائها المقدسيّ هذه المرّة، بفصلها عن مجمّع “شمال غرب القدس” الذي يضمّ عدداً من القرى الفلسطينية لا يحمل سكانها، في الغالب، هويات المقدسيين الزرقاء. مع انفجار انتفاضة الأقصى، وعملية “السور الواقي”، فصل الاحتلال قرية رافات تماماً عن ذلك الفضاء من خلال مصادرة الأراضي، وفرض الجدار المتنوع ما بين سلك شائك وجدار إسمنتيّ، وشقّ طرق بديلة، ونَصَبَ جسراً يعلو نفقاً يفصل تماماً قريتي قلنديا ورافات عن منطقة “شمال غرب القدس”، ليكون هذا النفق “مَعْبراً” للمنطقة، تمكن السيطرة عليه أمنيّاً بكلّ سهولة، ليتألّف بهذا محور فصلٍ ثانٍ، بديل عن طريق الفصل الأوّل.

بعد عشرين سنة تقريباً، يتّضح من عمل الباحثين والمحللين الإسرائيليين أنّ الاحتلال عازمٌ على ضمّ كامل منطقة “شمال غرب القدس” مستثنياً منها قريتي رافات وقلنديا، وذلك بالرغم من مصادرته أراضٍ “حدودية” من القريتين لتكتمل بذلك هندسته الاستعمارية لمشروع الضمّ في هذه المنطقة.

الذي ظهر خلال الفترة، ما بين شقّ الطريق الأول ثم العدول عنه، لشقّ طريق على المحور الثاني (الذي يفضل قلنديا ورافات عن قرى شمال غرب القدس) محفوفة بالسلك والجدار والأراضي المصادرة، أنّ الاحتلال كان يجرّب في خياراته المؤسَّسة على قرار الضمّ القديم والمُبيّت سلفاً، ثمّ يعدّل عليها بما يخدم أغراضه الإستراتيجية. ضمن هذه الرؤية، تراجع الاحتلال عن ضمّ قريتي رافات وقلنديا والتجمّعات السكانية التي كان الطريق الأول قد فصلها عن رام الله، وفيما بعد جاء الطريق الثاني في مطلع الانتفاضة الثانية فأعاد إخراج القريتين من المنطقة المنوي ضمّها.

فيما بعد لاحظ سكان قرية رافات، أنّ الاحتلال لم يعد يهدم ما يُبنى في المنطقة (C) من القرية، وهي منطقة واسعة، تصل القرية مباشرة بأحياء “الماصيون” و”عين منجد” من رام الله، و”عين أم الشرايط” من مدينة البيرة. البناء في هذه المنطقة ممنوع، والاحتلال لا يعترف بتراخيص البناء التي تُصدِرُها السّلطة، وهي على أيّة حال مخالفة لاتفاقية أوسلو التي تمنح الاحتلال حقّ السيطرة الأمنيّة والإدارة المدنية لهذه المنطقة. بيد أنّ الاحتلال وإن أخذ يُظهر “تسامحاً” مع ما يُبنى في هذه المنطقة من القرية، فإنّه لم يكف عن إثبات حضوره وسيطرته الأمنيّة بتوزيع الإنذارات لأصحاب المباني فيها، والذين يهرعون لطلب رخصة من “بيت إيل” لا تصدُر، ولكنّها تُسكّن إنذارات الاحتلال.

بدأ يشيع على لسان سكان القرية، أنّ الاحتلال أخرجَ قريتَهم من الضمّ، مع الأخذ بعين الاعتبار أنّ هذا التصوّر عند السكان قديم؛ من سنوات قبل خروج قرار الضمّ الأخير، ولكنّ تصوّر السكان مبنيّ على معاينتهم المباشرة لمخطّطات الاحتلال في المنطقة، وأدركوا بحدس سياسيّ ممتاز، ناجم عن مباشرة الوقائع في الأرض، وسوء ظنّ بالاحتلال؛ مخطّطات الاحتلال المستقبليّة.

ذروة “السلام” هي ذروة التوغّل الاستعماريّ

هذه القصّة المختصرة جدّاً عن معاناة هذه القرية تكشف أمرين؛ الأول، أن الذروة العمليّة لمخططات الضّم برزت في ذروة صعود مشروع التسوية، وقبل سنوات من انتهاء الفترة الانتقالية وانفجار انتفاضة الأقصى. لا تقل هذه الفترة، التي ظلّ فيها الاحتلال يراجع فيها خياراته في المنطقة، عمليّاً لا نظريّاً فحسب، عن خمس وعشرين سنة. خلال هذه الفترة، أدرك السكّان جيّداً نوايا الاحتلال، فيما تبدو اليوم قيادة منظمة التحرير التي وقّعت اتفاقية أوسلو وما يتصل بها من سلسلة ملاحق وتفاهمات واتفاقيات، كالمتفاجئة من قرارات الضمّ الأخيرة. وهذا هو الأمر الثاني: الفترة الطويلة التي اشتغل فيها الاحتلال عمليّاً على حساب خياراته على الأرض وتعديلها.

بحسب ما تؤكّده هذه القصة، والتي لها مثيلات كثيرة في الضفّة الغربيّة، فإنّ قرارات الضمّ وبناء الجدار وشقّ الطرق الالتفافية، بدأت قبل انتفاضة الأقصى، لا من جهة النوايا المبيّتة فحسب، بل من جهة الوقائع الشاخصة في الأرض. وتحميل كفاح الفلسطينيين الدامي في تلك الانتفاضة المسؤولية عن تلك المخطّطات، إمّا أنه فقر في معرفة الواقع الفلسطينيّ، واستسلام للانطباعات القاصرة، أو خطاب مؤدلج برفض المقاومة المسلّحة فيتوسّل من إجراءات الاحتلال ما ينصر به موقفه الرافض للمقاومة المسلحة.

وإذا كانت الانتفاضة بطبيعتها المسلّحة، ونمطها الفدائيّ الاستشهادي، قد حوّرت في إجراءات الاحتلال اللوجستية، فهو تحويرٌ فنّيّ تقنيّ في أشكال أدوات الفصل والضمّ، لا في مبدأ الفصل والضمّ. وإلا فإنّ المبدأ كما هو واضح قديم، وإذا أمكنت العودة به إلى منتصف تسعينيات القرن الماضي، كما في المثال أعلاه، فإنّه في أصله قائم على رؤية صهيونية مشتركة في حدّ أدنى تتمسك بالبقاء الأمني والاستيطاني في الضفّة الغربيّة. 

ويمكن الرجوع في هذا إلى هزيمة العام 1967، وتحديداً إلى خطّة “إيغال ألون” التي تقترح التمسك بغور الأردن والسفوح الشرقيّة للضفّة الغربيّة والفصل بين وسط الضفّة وجنوبها، ومن الواضح أنّ هذه الخطّة مثّلت في حينه الحدّ الأدنى المشترك بين القوى الفاعلة في “إسرائيل”، مع اختلافات، تكاد تتلاشى الآن، بينهم حول الشكل وأدوات السيطرة وموقع الفلسطينيّين في الضفّة الغربيّة من ذلك.

وإذا أمكنت العودة بالخطّة إلى ما هو أبعد من ذلك، فإنّ عين العدوّ على الضفّة الغربية منذ نكبة العام 1948، باعتبارها جوهر دعايته الصهيونيّة، والأرض التي يعوّض بها افتقاره إلى العمق الإستراتيجي. ثمّ صارت بعد ذلك امتداده الاستيطاني “الطبيعي” مع اكتظاظ منطقة تل أبيب. وتحت مظلّة اتفاقية أوسلو، التي قطعت مسيرة الانتفاضة الأولى، وحالت دون أيّ فعلٍ كفاحيٍّ شعبيٍّ ضخم وممتد بوجود سلطة محليّة تفصل الجماهير عن الاحتلال، كما موافقة قيادة منظمة التحرير على التقسيم الثلاثي (A,B,C) لأراضي الضفّة الغربية، تمكّن الاحتلال من فرض الوقائع في الأرض، والتي لا تنتظر الآن أكثر من الترسيم القانوني بإعلان الضمّ.

حيلةٌ من سيناء

استخدم الاحتلال تقنية الحروف الثلاثة (A,B,C) في سيناء أولاً، وقسّمها ضمن اتفاقيّة كامب ديفيد مع الرئيس المصريّ الأسبق أنور السادات. باستخدام التقسيم الثلاثيّ، حدّد الاحتلال حجم القوات المصريّة المتدرّج في هذه المناطق الثلاث وطبيعتها ومستوى عتادها. هكذا، أصبحت سيناء عمقاً للاحتلال من الجهة الغربيّة، بدلاً من أن تكون عمقاً لمصر من جهتها الشرقيّة. 

ومع اتفاقية أوسلو التي مثّلت أشهر معالم مشروع التسوية بين منظمة التحرير الفلسطينيّة و”إسرائيل”، بدأ الاحتلال باستنساخ هذه التقنية بما يناسب حيثياتها الخاصّة. فصارت اتفاقية أوسلو وإفرازاتها مدخلاً لتصفية القضيّة الفلسطينيّة، ووفّرت للاحتلال من الناحية الأمنيّة واللوجستيّة إمكانية إعادة هندسة الضفّة الغربية من جديد. الهدف الإسرائيليّ هنا بطبيعة الحال هو الاستحكام في بيئة عربيّة متقلّبة ورافضة لوجوده في الأساس، وقد تنذر بهجوم من الجبهة الشرقيّة في أيّ وقت في المستقبل.

تشكّل المناطق (C) نسبة 60% من أراضي الضفّة الغربيّة، وهي الأراضي التي تمتد عليها مستوطنات الاحتلال. تشير الإحصاءات إلى أنّ عدد المستوطنين الصهاينة خلال الفترة الممتدة من عمر السّلطة الفلسطينيّة منذ تأسيسها وإلى اليوم، قد فاق عدد الفلسطينيّين الذين يسكنون أصلاً هذه المناطق. وطوال هذه الفترة، استمرّت إجراءات الاحتلال من منع البناء، ومصادرة الأراضي، لجعل المناطق (C) ساحة امتداد طبيعيّ لإجراءات الهندسة الاستعماريّة، وبما لا يعيق الاحتلال أدنى إعاقة، سواء في توسيع المستوطنات (في حين يمنع الفلسطينيين من البناء في هذه المناطق)، أو في جملة أدواته التي ستنتهي بالضرورة إلى الضمّ.

ومن أهمّ هذه الأدوات إجراءات الفصل، التي أوجدت كتلاً استيطانيّةً ضخمة، متصلةً بعضها وبما يفصلها عن المجال الفلسطينيّ، وبتنظيماتٍ إدارية خاصّة بها. بهذا أضحت المناطق (C) عمقاً للاحتلال، لا على المستوى الإستراتيجي المتوخّى من البقاء الاستيطانيّ والأمنيّ في الضفّة فحسب، ولكن أيضاً في تسهيل مهمّاته بجعلها أرضاً فارغة لفاعليته وحده طوال عمر السلطة الفلسطينيّة، بلا أيّ فعالية فلسطينيّة مناوئة على الأرض نفسها، بل وبموافقة فلسطينية في اتفاقية أوسلو.

وبينما لا تُـبدي “إسرائيل” نيّةً لضمّ كامل مناطق (C)، وتكثِّف إجراءاتها في 60٪ منها فقط، وتحوّلها إلى امتداد نفوذٍ طبيعيٍّ للمستوطنات، فضلاً عن المصادرة المستمرّة بقوانين خاصّة لا تتوقّف، وتحت دعاوى متنوعة، وتمنع أي تطوّر طبيعي فلسطينيّ فيها سواء على المستوى العمرانيّ أو الصناعيّ أو الزراعيّ، فإنّها في الوقت نفسه لا تتوقف عن اتخاذ الإجراءات نفسها فيما تبقّى من مناطق (C)، وإن بدرجة أقل، لضمان استمرار الهيبة والهيمنة، ولفرض أكبر قدر ممكن من الفراغ الفلسطينيّ في الأرض لصالحها.

السلطة تحيّد الجماهير، “إسرائيل” تعمل بهدوء

لقد امتدت كلّ هذه الإجراءات على طول عمر السّلطة الفلسطينية، وبينما ينشغل الاحتلال في هندسة الضفّة استعماريّاً، كان ثمّة انشغال في الحيّز الفلسطينيّ على إعادة هندسة وعي الجماهير وإعادة خلط أولوياتها، بما يتناقض تماماً مع واجب مواجهة الإجراءات الاستعماريّة. وذلك بالرغم من أنّ مقاومةً شعبيّةً واسعةً وشاملةً وجادّةً في الضفّة كان من شأنها إعاقة مخطّطات الاحتلال. وهذه المقاومة، هي المسلك المعتمد خطابيّاً من قيادة منظمة التحرير وحركة “فتح”، دون انعكاس في الواقع، وانعكاسها في الواقع كان دائماً يتطلب سياسات غير تلك التي انتهجتها السّلطة طوال فترتها، وأرادت منها تحييد الجماهير وتحويل القضيّة الفلسطينية إلى قضيّة تتولّاها نخبة المفاوضين.

ولو تجاوزنا عن هذا الماضي الطويل الذي توفّر على وقت يتيح مواجهة مخطّطات الاحتلال، فإنّه ومنذ خاتمة العام 2017، واعتراف ترامب بالسيادة الإسرائيلية على القدس، التي أعلن فيها رسميّاً عن فشل مشروع التسويّة فلسطينيّاً وتأكدت كارثيته على الفلسطينيين ومأساويته على قضيتهم، كان بالإمكان التحوّل التدريجي في المسار، وصولاً إلى مرحلة كفاحيّة تقطع على الاحتلال مخططاته، وتعيد حشد الجماهير على قضيتها. وبالرغم من صعوبة هذه المهمّة بالنظر إلى السياسات التي مورست على الجماهير، فإنّ ثلاث سنوات من الوحدة الوطنيّة، والكفاح المتدرج، وإعادة التعبئة النضالية، كانت كافية لجعل كلّ الشعب الفلسطيني، يناضل في وجه الاحتلال، وهو الأمر الذي يبدو أنّه أبعد ما يكون عن خيارات الطبقة الحاكمة في السلطة الفلسطينية.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك رد

إغلاق