مقالات رأي

شيخنا الدكتور حسام الدين عفانة

الكاتب: المهندس عيسى الجعبري

قد تُنْكِر العينُ ضَوءَ الشَّمسِ منْ رَمَدٍ
ويُـنْـكِرُ الـفمُ طـعمَ الـماءِ مـنْ سَــقَــمِ
يعمل بعض الجهال ممن يزعمون حملهم لدعوة الإسلام – بقصد أو بغير قصد – على تشكيك الأمة بكل علمائها، فيَصِمون كلَّ من خالف منهجهم الأعوج بأنه منحرف أو عالم سلاطين، ولكن أنّى لهم أن يفلحوا في ذلك، وحالهم:
كَـناطِحٍ صـخرةً يـومًـا لـيـوهِـنَها
فَلَمْ يَضِرْها، وأوهى قَرْنَه الوَعِلُ

شيخنا أ. د. حسام الدين عفانة – حفظه الله ورضي عنه وجزاه عنا وعن أهل العلم خيرًا – من خيرة علماء فلسطين، لا يضرُّه أن يسيء إليه بعض التافهين الجهلة، فمقام أهل العلم لا يُعرف إلا من كلام العلماء فيهم، لا من كلام الجهال.

وللشهادة، فقد كان شيخنا من أكثر العلماء الذين تتلمذنا عليهم التصاقًا بقضايا الأمة، ومن أكثرهم بيانًا للمواقف الشرعية في ذلك، وهو في العلم لا يماري ولا يداهن، جريء في قول كلمة الحق، تستشعر حرقة قلبه على آلام أمته، ولا أزال أذكر أيام ثورة تونس عندما حرق (البوعزيزي) نفسه، واشتعلت لذلك الثورة في تونس، وخرج عدد من المنسوبين للعلم بفتاوى حول حكم الانتحار، يومها جاءنا شيخنا – وكانت لدينا محاضرة في برنامج ماجستير الفقه وأصوله – وكان غاضبًا، فجلس صامتًا قليلًا، ثم قال: “إني لأعجب من العلماء الذين يتكلمون في حرق البوعزيزي نفسه، ويتغافلون عن الحكام الذين يحرقون شعوبهم”، وبيّن أن واجب العالم تقديم الأولى في التنبيه والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

يكفي هؤلاء الجهلة أن أحد الأفاضل من أهل العلم الراسخ – ولا نزكيه على الله تعالى –، وكان ممن رافقهم في طريقهم فترة من الزمن أيام شبابه وقبل تمكّنه في العلم الشرعي عندما علم أن أحدهم كان يدرس معنا ماجستير الفقه والأصول قال متعجبًا: وبقي معهم؟ ثم علق: إني لا أظن أحدًا يكون من أهل العلم الشرعي ويبقى سائرًا مع هؤلاء في طريقهم.

استكمالًا للحديث في موضوع (تطاول) بعض الجهال على شيخنا د. حسام الدين عفانة، أحببت أن أجيب على بعض التعليقات التي كتبها بعض الإخوة على منشوري:

• تساءل البعض عن سبب المنشور، ومثله منشورات للعديد من أهل العلم يذُبُّون فيها عن عرض أخيهم وشيخهم أبي حذيفة، فأقول لهؤلاء المتسائلين: كان الشيخ – حفظه الله تعالى – قد نشر في مقطع فيديو رأيه في مسألة التباعد بين المصلين، وذلك بتاريخ (19/3/2020)، وكان رأيه حينها أن التباعد لا يجوز، وأن الأصل أن يتراصَّ المصلون، ثم نشر مقطعًا آخر بتاريخ (25/6/2020) بيّن فيه أن مسألة التباعد فيها قولان للعلماء، وأنه لا حرج على من أخذ بأيٍّ من القولين؛ لأن القضية اجتهادية، وتكلم عن خصوصية التباعد في المسجد الأقصى، لأن له خصوصية ولوجود أطماع للاحتلال في السيطرة عليه، والاحتلال يُلزم بالتباعد ويُغرِّم من يخالف ذلك، فأفتى شيخُنا المصلين في المسجد الأقصى بأن يلتزموا بتلك الإجراءات لقطع الطريق على المحتل، ولسلبه فرصة مخالفة المصلين، ولئلا يؤدي عدم الالتزام إلى إغلاق المسجد الأقصى المبارك، وقال لهم أنه لا حرج عليهم بأن يأخذوا بقول المجيزين للتباعد لهذه الأسباب.

• ظن بعض قصار النظر من الذين لا يحسنون فهم ما يقال أو يكتب أن الشيخ غيّر فتواه، مع أن تخصيص الشيخ في المقطع الأخير المصلين في المسجد الأقصى بنصيحتهم باتباع قول مجيزي التباعد للأسباب التي ذكرها يوحي بأنه لا يزال على رأيه السابق بالنسبة لبقية المواقع، وأن الفتوى الجديدة للشيخ خاصة بالمسجد الأقصى لأن الفتوى تقدر زمانًا ومكانًا وشخصًا، علمًا بأنه لا حرج عليه لو تغيرت فتواه، فالعالم الحق يراجع نفسه ولا يتحرج من الرجوع عن رأي تبين له أنه أخطأ فيه.

• وقد هاجم الكثيرون من هؤلاء الجهلة الشيخ، واتهموه بأنه (من علماء السلاطين) وبأنه يفتي (على حسب أهواء الحكام)، وأنه (يتلاعب بالدين)، وأن فتاواه (لا تمتُّ للفقه بشيء) إلى آخر هذه الترهات التي تعبر عن مقدار الجهل الغارق فيه هؤلاء.

• بعض المعلقين اتهمنا بأننا نقدّس الأشخاص، ولهؤلاء أقول: هناك فرق بين أن تقدس شخصًا وتعامله كأنه معصوم، وبين دفاعك عن أهل العلم والصلاح، وللعلم فقد كان لي رأي في مسألة التباعد مفاده أن التباعد مطلوب بل مندوب في هذه الأيام، وقد نشرت ذلك على صفحتي، وحينها أرسل لي بعض الأصدقاء مقطع الفيديو الذي لا يجيز فيه شيخنا التباعد، وسألوني عن رأيي فيما قاله، فأجبتهم حينها بما يلي: ” الشيخ د. حسام أستاذنا وشيخنا، وهو من العلماء المشهود لهم، ولكن ذلك لا يعني أن نوافقه في كل ما يذهب إليه، مع احترامنا له”

فهل مخالفتي لرأي شيخنا في هذه المسألة من التقديس الذي يقولون عنه؟!

• ثم يلومنا بعضهم في أننا وصفنا من انتقدوا الشيخ وأساؤوا الأدب معه – كما هي عادتهم مع أهل العلم – بأنهم جهال، فماذا تريدون منا؟ أن نصفهم بأنهم علماء مجتهدون فنكذب، لا بل هم جهال، وما وصفناهم إلا بما هو واقع حالهم، أعجبهم ذلك أم لم يعجبهم، فهو سواء.

حفظ الله مشايخنا وعلماءنا، وهدى التائهين من أبناء أمتنا، ودمتم سالمين.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك رد

إغلاق