22 عاماً وذكريات المهندس يحيى عياش وعملياته ما زالت حاضرة

رغم مرور 22 عاما على رحيل المهندس الشهيد القائد يحيى عياش؛ إلا أن ذكراه الطيبة وعطاءه وروحه ما زالت تحلق في سماء فلسطين المحتلة؛ وهو ما يؤرق سلطات الاحتلال؛ وأجهزة أمن السلطة التي تعتقل بين الفينة والأخرى نجله براء.

وتحيي المقاومة الفلسطينية وكل أحرار وشرفاء العالم اليوم، الذكرى الـ 22 لاستشهاد المهندس يحيى عياش؛ الذي استشهد بتاريخ (5-1- 1996).

عنوان الأسطورة

حين يكتب تاريخ فلسطين –الشعب والقضية- بأيد منصفة وأمينة ستدرك الأجيال المتعاقبة أن يحيى عياش أو (المهندس) كما عرف في حياته يحتل مكانا بارزا بعد أن سطر ملحمة تاريخية خالدة من أجل دينه ووطنه وقتل في سبيل الله ومن أجل فلسطين فوق أرضية صلبة من الفهم العميق بطبيعة القضية الفلسطينية.

فقد أدرك يحيى معادلة التعامل مع العدو منذ أن لمست يداه أول سيارة مفخخة أعدها لاستنهاض الشعب الفلسطيني بكافة قطاعاته ومختلف تياراته نحو مقاومة شاملة للاحتلال الذي لا يفهم إلا لغة المقاومة ومفردات القوة. ولذلك أعلن زعماؤه وقادته يأسهم واعترفوا قائلين: “ماذا نفعل لشاب يريد الموت”.

“المهندس” هو عنوان الأسطورة الفلسطينية الحقيقية التي جددت الأمل وقتلت اليأس وأعادت الحياة إلى روح الجهاد والمقاومة في فلسطين. بما كتبته من صفحات مشرقة في حكاية الصمود والجهاد البطولي في ظل أسوأ الظروف.

في عمره القصير صنع يحيى عياش الكثير فقد أدرك منذ البداية أنه يسابق الزمن حين قرر العمل على نسف جدار الأمن الشاهق الذي أقامه الصهاينة مستغلين ترسانتهم العسكرية وخبراتهم المتراكمة في مواجهة شعب أعزل محاصر، وكان مبادرا حيث لا فائض من الوقت لدى شعب يعيش واحدة من أكثر مراحل تاريخه المعاصر حرجا.

فعاش هذا العملاق لشعبه ودينه ومن أجلهما، ورحل في وقت كان يتصارع فيه البغاث على فتات يظنون أنه مغانم حرب وضعت أوزارها.

مسيرة التاريخ ورحلة الحياة

بين أزقة قرية رافات وفي السادس من آذار/مارس، سنة 1966م ولد يحيى عبد اللطيف عياش، وفي كنف بيت متدين عاش طفولة هادئة إذ كان مثالا للطفل المؤدب الهادئ حتى أن أحد أعمامه يقول: “كان هادئا أكثر من اللزوم ولا يحب الاختلاط كثيرا بغيره من الأطفال حتى أنني كنت أعده انطوائيا بعض الشيء”

كبر الطفل يحيى ودخل المدرسة الابتدائية في قريته عند بلوغه السادسة من عمره وبرز بذكائه الذي لفت إليه أنظار معلميه إذ أنه لم يكن يكتفي بحفظ الدروس المقررة للصف الأول بل كان يحفظ دروس الصف الثاني أيضا.

حصل يحيى على شهادة الدراسة الثانوية من مدرسة بديا الثانوية عام 1984م وكان معدله 92,8% والتحق بجامعة بيرزيت لدراسة الهندسة الكهربائية وكان من أنشط الشباب في كلية الهندسة ضمن إطار الكتلة الإسلامية وشارك إخوانه في كافة المواقع ومراحل الصراع والاحتكاكات المباشرة سواء مع سلطات الاحتلال أو مع الكتل الطلابية المنافسة.

تخرج من الجامعة عام 1991م بتفوق وتزوج من ابنة خالته بتاريخ 9 أيلول/سبتمبر، 1992م ورزق منها طفله الأول براء في 1 كانون الثاني (يناير) 1993م وكان حينها مطاردا، وقبل استشهاده بيومين فقط رزق بابنه الثاني عبد اللطيف تيمنا باسم والده غير أن العائلة أعدت يحيى إلى البيت حين أطلقت على الطفل عبد اللطيف اسم يحيى.

شيخ الإخوان في رافات

لبى يحيى عياش دعوة الإخوان المسلمين وبايع الجماعة في بداية العام 1985م وأصبح جنديا مطيعا وعضوا عاديا بإحدى أسر الإخوان المسلمين في مدينة رام الله وعمل بجد ونشاط وقام بكافة التكاليف وأعباء الدعوة الإسلامية سواء داخل الجامعة أو في مدينة رام الله أو قريته رافات ووظف المهندس سيارة والده التي اشتراها في خدمة الحركة الإسلامية حين دأب على السفر إلى رافات وقام بإرساء الأساسات وشكل أنوية لمجموعات من الشباب المسلم الملتزم.

وحينما انفتح الأفق على حركة المقاومة الإسلامية حماس كانت هذه المجموعات في طليعة السواعد الرامية خلال سنوات الانتفاضة المباركة الأولى ونظرا للدور الريادي الذي قام به وحكمته وأدبه وأخلاقه فقد اعتبرته الفصائل الفلسطينية (شيخ الإخوان في رافات) ترجع إليه في كافة الأمور التي تتعلق بالفعاليات أو الإشكاليات خلال الأعوام (1988-1992).

ابن القسام

ترجع بدايات المهندس مع العمل العسكري إلى أيام الانتفاضة الأولى وعلى وجه التحديد عامي 1990-1991م إذ توصل إلى مخرج لمشكلة شح الإمكانات المتوفرة وندرة المواد المتفجرة وذلك بتصنيع هذه المواد من المواد الكيماوية الأولية التي تتوفر بكثرة في الصيدليات ومحلات بيع الأدوية والمستحضرات الطبية فكانت العملية الأولى بتجهيز السيارة المفخخة في رامات إفعال وبدأت إثر ذلك المطاردة المتبادلة بين يحيى عياش والاحتلال الصهيوني وأجهزته الأمنية والعسكرية.

إذ قدر الله سبحانه وتعالى أن يكتشف العدو السيارة المفخخة في رامات إفعال بطريق الصدفة، وبعد تحقيق شديد وقاس مع المجاهدين الذين اعتقلا إثر العثور على السيارة المفخخة طبعت الشاباك اسم يحيى عبد اللطيف عياش في قائمة المطلوبين لديها للمرة الأولى.

يعتبر يوم الأحد 25 نيسان أبريل 1993م بداية المطاردة الرسمية ليحيى عياش ففي ذلك التاريخ غادر المهندس منزله ملتحقا برفاق الجهاد والمقاومة.

وخلال ثلاث سنوات كان الشهد لفلسطين والعلقم لبني صهيون وخاب ظن الاحتلال وأجهزته القمعية التي حصدت الفشل في مخططاتها وتخبطت في رحلة البحث عن المهندس.

عمليات المهندس

وفيما يلي أبرز العمليات التي قامت بها كتائب القسام بتخطيطٍ من المهندس يحيى عياش:

– نيسان 1993: فجَّر الاستشهادي القسامي ساهر حمد الله تمام النابلسي (22 عاماً) من الجبل الشمالي بمدينة نابلس، سيارته المفخخة داخل مقهى «فيلج إن» الذي يرتاده الجنود اسرائيليين في مغتصبة «ميحولا» القريبة من مدينة بيسان فقتل 2 وأصيب 8 آخرين وهي أول عملية استشهادية.

– نيسان 1994: الشهيد رائد زكارنة يفجِّر سيارةً مفخخةً قرب حافلة اسرائيلية في مدينة العفولة؛ مما أدى إلى مقتل ثمانية، وجرح ما لا يقل عن ثلاثين، وقالت حماس: إن الهجوم هو ردها الأول على مذبحة المصلين في المسجد الإبراهيمي في مدينة الخليل.

– نيسان 1994: مقاتل من حركة حماس هو الشهيد عمار عمارنة يفجِّر شحنةً ناسفةً ثبتها على جسمه داخل حافلة في مدينة الخضيرة داخل الأراضي المحتلة عام 48؛ مما أدى إلى مقتل 5 وجرح العشرات.

– تشرين أول 1994: الشهيد صالح نزال- وهو مقاتل في كتائب القسام- يفجِّر نفسه داخل حافلة ركاب في شارع “ديزنغوف” في مدينة “تل أبيب”؛ مما أدى إلى مقتل 22، وجرح ما لا يقل عن 40 آخرين.

– كانون أول 1994: الشهيد أسامة راضي- وهو شرطي فلسطيني وعضو سري في مجموعات القسام- يفجِّر نفسه قرب حافلة تقل جنودًا في سلاح الجو الاسرائيلي- في القدس ويجرح 13 جنديًّا.

– أبريل 1995م: حركتا حماس والجهاد الإسلامي تنفذان هجومين ضد مستوطنين في قطاع غزة؛ وهو ما أدى إلى مقتل 7 مغتصبين ردًّا على ما قالت حماس عنها في حينه، “جريمة الاستخبارات الاسرائيلية في تفجير منزل في حي الشيخ رضوان في غزة، أدى إلى استشهاد نحو خمسة فلسطينيين، وبينهم الشهيد “كمال كحيل” أحد قادة مجموعات القسام ومساعد له”.

– كانون ثان 1995: مقاتلان فلسطينيان يفجِّران نفسيهما في محطة للعسكريين في منطقة بيت ليد قرب نتانيا؛ مما أدى إلى مقتل 23 جنديًّا، وجرح أربعين آخرين، في هجوم وُصف بأنه الأقوى من نوعه، وقالت المصادر العسكرية الاسرائيلية في حينه: إن التحقيقات تشير إلى وجود بصمات المهندس في تركيب العبوات الناسفة.

– تموز 1995: مقاتل من مجموعات تلاميذ المهندس يحيى عياش، التابعة لكتائب عز الدين القسام يفجِّر شحنةً ناسفةً ثبتها على جسمه داخل حافلة ركاب صهيونية في “رامات غان” بالقرب من “تل أبيب”؛ مما أدى إلى مصرع 6 وجرح 33 آخرين.

– آب 1995: هجوم فدائي آخر استهدف حافلةً اسرائيلية للركاب في حي رامات أشكول في مدينة القدس المحتلة؛ مما أسفر عن مقتل 5، وإصابة أكثر من 100 آخرين بجروح، وقد أعلن تلاميذ المهندس يحيى عياش مسئوليتهم عن الهجوم.

– أغسطس 1995: هجوم فدائي آخر، استهدف حافلةً للركاب في حي رامات أشكول في مدينة القدس المحتلة؛ وهو ما أسفر عن مقتل 5، وإصابة العشرات بجروح، وقد أعلن تلاميذ المهندس يحيى عياش مسئوليتهم عن الهجوم.

ووفق ما أكدته المصادر الاسرائيلية؛ فإن مجموع ما قُتل بيد “المهندس” وتلاميذه ستة وسبعون إسرائيلياً، وجرح ما يزيد عن أربعمائة آخرين، موضحة بأن خطورة عياش لم تكن فقط في عدد القتلى الصهاينة فحسب، بل في عدد التلاميذ الذين دربهم وخلفهم وراءه.

جمعة الشهادة

إنه يوم الجمعة الحزينة 15 شعبان، 1416هـ الموافق الخامس من كانون الثاني يناير 1996م التي لم تكن كأي جمعة فما أن أذاع تلفزيون العدو نبأ الاغتيال فاهتزت فلسطين بكل أرجائها ودبت قشعريرة وسرى شعور حزين وحاولت القلوب الفزعة أن تكذب أو تشكك، واهتزت الكلمات في الحناجر حين أعلنت حماس توقف عقل الفتي العاشق وسكنت نبضات قلبه.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك رد

إغلاق