مقالات رأي

في ذكرى وفاته الثامنة

الكاتب: أحمد البيتاوي

لم يكن والدي رحمه الله صاحب علمٍ غزيرٍ، فقد فاقه آخرون من حملة شهادة الدكتوراة، غير أن جرأته على قول كلمة الحق في أصعب الظروف، وتحمل تبعاتها، كانت أحد أسباب تميزه.

لم يكتم علمه اليسير في صدره، بل كانت الدعوة إلى الله تسري في عروقه، لم يدع خربة أو قرية أو مدينة أو مخيماً في الضفة أو في الداخل المحتل الا زارها وترك بصمته الدعوية، لم يكن يترك مجلساً أو بيت عزاء أو فرحاً الا وذكّر الناس بالله.

لم يكن مداهناً ولم يضع رأسه بين الرؤوس، لم يسر في ركب السلطان رغم أن أقدميته في المحاكم الشرعية كانت ستوصله إلى أعلى المراتب حتى وصلها في النهاية دون أن يتملق لأحد… تنبأ بقصـ ـ ـف تل أبيب، فتحققت توقعاته بعد أشهر من وفاته.

عشق الأقصى حتى تملك فؤاده، طلب من الأطباء قبل ساعات من وفاته وهو على فراش المرض في مستشفى المقاصد أن يرفعوا سريره إلى الأعلى حتى يرى القبة المذهبة من النافذة المقابلة..وبعد ساعات حمله المشيعون وصلوا عليه الجنازة في رحاب الاقصى، ذلك المسجد الذي لطالما اعتلى منبره خطيباً صادحاً بالحق.

في نهاية كل شهر كان يأخذنا لزيارة جدتي “أم الوليد”، التي كانت تقيم في منزل خالي في القدس، كانت زيارة اجتماعية ودينية وسياسية متعددة الأهداف.. لا زلت أتذكر سيارتنا القديمة من نوع فيات ١٢٤ زرقاء اللون “موديل” السبعين، كانت الطريق لا تستغرق أكثر من ساعة، فلم يكن هناك حواجز ولا (مخاصيم).

لا زلت أتذكر طلعات اللبن القوية المتعرجة، كنا نسلكها كلما توجهنا إلى المدينة المقدسة، كانت قيادة والدي بطيئة حذرة، كان يمسك المقود بكلتا يديه ويوزع نظره يميناً وشمالاً بين المرآة الأمامية والجانبية، أحياناً كان ينعطب إطار السيارة، حينها كان يترجل والدي ويخلع جبته ولفته البيضاء ليبدل الإطار الجديد بالقديم ويشد “براغيه” مستخدما قدمه أحياناً ويده أحيانا أخرى كأنه “بنشرجي” محترف و”ميكانيكي” متمرس، وبعد الانتهاء من عمله كان يحضر زجاجة ماء من “خزانة” السيارة ويغسل يديه على عجل.. لطالما كنا نقف على جانب الطريق ونرتاح أسفل شجرة لنقضي حاجتنا في الخلاء أو عند شعورنا بالتقيؤ.

لطالما كان والدي ينشد وهو يقود السيارة أناشيد عديدة لا زلت أحفظ مطلعها:”نحن يا قدس راجعنا لي اله العالمين ومن الدين صانعنا عدة الفتح المبين”.. “الإلهي الإلهي الإلهي أنت عزي أنت جاهي”.. “جاهـ ـ ـد في الله اخيا جـ ـ ـاهد إن كنت تقيا”، كان يحرك قبضته بقوة.. لا زال صوته يتردد صداه في أذني حتى اليوم.

لا زلت أتذكر إشارات الاستهزاء التي كنا نطلقها بأيدينا وألسنتنا صوب المستـ ـ ـوطنين عندما كنا نتجاوز سياراتهم، بينما كانت الإشارات الضوئية علامة فارقة على وصولنا مدينة القدس، حينها كانت والدتي تيقظنا من غفوتنا… كانت قبتها الصفراء المذهبة تبدو على استحياء من بين أكوام الغرباء.. كانت كالحسناء تغطي وجهها بخمار أسود.

كان والدي يقرأ خطبة الجمعة على مسمع جدتي قبل توجهه إلى المسجد الاقصى.. لطالما كانت ووالدتي تطلبان منه أن يخفف حدته ويبدل بعض الجمل والكلمات… كان يرد بابتسامة خفيفة ويكمل القرآءة.. كانت تظل أعصاب جدتي مشدودة لحين عودته..

يأتي نيسان وتأتي معه ذكرى وفاة والدي ..

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك رد

إغلاق