مقالات رأي

كورونا.. في الأرقام والإحصاءات

الكاتب | قاسم الشاعر

تذكرنا الأزمة الحالية بحقيقة مرّة، أن معظم الناس غير قادر على التعامل مع الإحصاءات. وأن الأرقام وإن كانت أكثر الأمور موضوعية وبُعداً عن إثارة المشاعر والآراء الشخصية، إلا أنها من أكثر ما يُساء فهمه من قبل العامة ويستعصي إدراكه.

ربما كمختص في الإحصاء أو كعامل في مجالات هندسية، يكون كثير من تعاملك مع الأرقام والرسومات البيانية. فلو رأيت ورقة بحثية طويلة تتجه مباشرة للجدول والرسم البياني كي توفر كثيرا من الوقت. إلا أن عامة الناس لا تعرف كيف تتعامل مع الأشكال البيانية أو الجداول والنسب، ولن تزيدها هذه إلا تعقيدا.

من أبسط الأمثلة، التعامل مع “عدد الحالات” للمصابين بالكورونا كرقم مجرد. ومقارنة عدد حالات المصابين في أمريكا مثلا مع عدد الحالات في إسبانيا. فيظن أن الوضع في إسبانيا مشابه لأمريكا لأن كلتا الدولتين فيهما ما يقارب 5000 حالة جديدة. بغير أن يحسب حسابا للعدد الكلي للسكان (ما يقارب 330 مليون نسمة في أمريكا مقابل 46 مليون في إسبانيا). فيتعامل مع الرقم مجردا بغير أن يعير انتباها لنقطة المقارنة (عدد السكان مثلا) أو “المقام”. فتركيز الحالات الجديدة في إسبانيا يفوق بكثير تركيزه في أمريكا.

من السهل جدا الخداع بالأرقام لمن لا يفهم الإحصاء ولم يتعامل مع الرسوم البيانية. مهما ظننت نفسك ذكيا قد تُخدع. فللتعبير عن نفس المفهوم بإمكاننا أن نستخدم رقما يهول الوضع، وبإمكاننا أن نستخدم رقما يبين أن الامور بسيطة ولا خوف منها. فنستطيع القول أن دولة الفاتيكان هي ثاني أكثر دولة من حيث تركز المرض، فعدد الحالات فيها بالنسبة لعدد السكان يقارب 5000 حالة لكل مليون نسمة، وهذا يقارب 5 أضعاف النسبة في إسبانيا مثلا (1000). لكن في ذات الوقت نستطيع أن نقول أن القاتيكان فيها 4 إصابات فقط بينما إسبانيا قاربت الخمسين ألفا! (والفاتكان بالمناسبة تعتبر دولة ذات سيادة، عدد سكانها يقارب الألف).
تزداد الأمور تعقيدا حين نتحدث عن “نسبة الفحص” مثلا: وهل يفحصون السليمين أم المصابين فقط، أم يفحصون من كان في حالة الخطر، وكل ذلك يؤثر على “عدد الحالات” و”نسبة الوفيات”. وتزداد المقارنة صعوبة حين تكون البنية التحتية مختلفة وتوفر المعدات الطبية، فدولة فيها 200 حالة ولا تمتلك إلا 20 سرير عناية مكثفة، قد يكون وضعها أصعب بكثير من دولة فيها 1000 حالة لكنها تمتلك 500 سرير عناية مكثفة.

لذلك كإنسان غير مختص، تجنب النظر إلى الأرقام مجردةً أو إلى الأشكال البيانية إن لم تكن قادرا على التعامل معها. وانظر إلى الشرح المفصل. ولو شئت أن تنظر للأرقام فانظر إلى معنى كل رقم وكيف يتم حسابه، كي لا تُخدع بسهولة.

لا ألوم عامة الناس على سوء فهم البيانات. لكن الطامة الكبرى، أن يعجز الأطباء عن التعامل مع الأرقام والإحصاءات البسيطة والرسوم البيانية. كطبيب يجب أن تكون قادرا على فهمها والتعامل معها واستخلاص المعنى منها وتطبيقها على أرض الواقع. وإلا كنت معرضا للخداع، وخداع طبيب يعني إضرار كثير من مرضاه.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك رد

إغلاق