مقالات رأي

السجن فيلم ملحمي طويل

الكاتبة | إسراء لافي

السجن فيلم ملحمي طويل، يمتد على حقب مختلفة، حتى تنتهي الحقبة السياسية ربما.

أبطاله بالآلاف، منهم من ينتهي دوره وحكايته بالحرية، بالانعتاق ولو بالموت، ومنهم من تستمر حكايته ويبرز دوره ويخفت بحسب التحولات الدرامية في الأدوار، ومنهم من يمر كضيف الشرف يغادر بانتهاء فترة الاعتقال ولا يعود للظهور، وآخرون يظهرون ويختفون ثم يعودون وهكذا.

يتضمن هذا الفيلم عرض التحولات في الأشخاص والأفكار، في السلوك، في العلاقات الإنسانية، في الحوار الذاتي، في الرواية متعددة الأوجه والألوان، الرواية المقتضبة، والرواية المسكوت عنها، والرواية المكذوبة، والرواية المبالغ فيها، وتلك المنصفة، والرواية المتجردة وأخرى المختلطة، تتعدد بقدر تعدد الألسن، وتنوع القلوب وعيونها.

يضمن لك هذا الفيلم الاضطراب أحيانًا، والتحليق حينًا آخر.

عندما نسرد مشهدًا من ثنايا هذا الفيلم الملحمي فإنه اقتطاع ضمن سياقه، وعندما تختلف تجاربنا مع المكان والزمان والشخوص فهو اختلاف طبيعي في سياق التحولات التي تطرأ على الإنسان ووعيه بين النضوج أو الارتداد، بين الاتساع والانكماش.

في هذه الدراما الحاشدة تحتشد الآلام، والأفراح، والآمال، ولكن لا يوجد راوٍ واحد يضمن لك عدم التغير في أي عنصر، وضمن هذا السياق من الطبيعي ألا نتفق على رأي وإن جمعتنا حقبة زمنية أو تجربة متشابكة، فمن قد يراه فلان سيئًا قد ألقاه في زمان آخر وتكون لي نظرتي الخاصة.

في هذا الفيلم ليس لك أن تملك الحكم المطلق على مدى الدهر على طبيعة الأشخاص والتجربة، ليس لك أن تنفي أو تثبت ما لم يكن ذلك في فترة عشتها وعاينتها عن قرب، ليس لك إلا أن تشاهد وتقرأ وتسمع وتطلق العنان لخيالك، وتراقب التحولات واختلاف الأزمان وزوايا النظر في التناول أو التوثيق أو السرد أو صناعة الوعي أو صناعة التهويل.

عندما أقتطع مشهدًا ما فأنا أدرك تمامًا أن الحياة هناك لا تتوقف، وتحتشد المشاهد والمواقف، ولكنه سياق صغير ضمن إطار كبير مترامٍ ومتشعب لا أحوزه.

وهذه الاقتطاعات السارّة في بعضها لا تعني عدم وجود الوجه الآخر للقهر والألم والروتين واليأس والملل ولكنها لا تأخذ طريقها عبر الحرف؛ فالعالم مملوء بما يضاهي تلك المأساة ويتفوق عليها، هي تجربة لا يطغى فيها بؤس على فرح، ولا فرح على بؤس، ووجود أحدهما لا يلغي الآخر، وقد يجتمعا في لحظة معًا!

السجن كفيلم ملحمي يتفرد وحده برواية معاصرة مستمرة محورها الإنسان، والنفس الإنسانية، والآثار الناتجة عنه والتي تساهم في صياغة هذا الإنسان، وتلك التي تمارَس للتأثير عليه، وليس صراع الإرادة والعقول إلا فصلًا من فصوله المستمرة أيضًا.

وتستمر الرواية ….

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك رد

إغلاق