مقالات رأي

تعذيب الفلسطينيين الممنهج في المعتقلات الإسرائيلية

يارا هواري

نظرة عامة

إن ما حدث لسامر العربيد مؤخرًا يسلط الضوء على استخدام التعذيب الممنهج ضد الفلسطينيين المعتقلين في السجون الإسرائيلية، حيث اعتقل الجنود الإسرائيليون العربيد في منزله برام الله في 25 أيلول/سبتمبر 2019، وأوسعوه ضربًا قبل اقتياده إلى مركز اعتقال المسكوبية في القدس لاستجوابه والتحقيق معه. وبعد يومين، أُدخل المستشفى نتيجة التعذيب القاسي بحسب محاميه، ورقد في حالة حرجة لأسابيع عدة. وكانت هيئة قضائية قد أجازت لجهاز المخابرات الإسرائيلي، الشّاباك، استخدامَ “أساليب استثنائية” لانتزاع المعلومات في هذه الحالة دون الرجوع إلى المحاكم. وقد أدانت منظمة العفو الدولية ما حدَث للعربيد، ووصفته بأنه “تعذيب بموجب القانون”.

وفي آب/أغسطس 2019، وقُبيل اعتقال العربيد بفترة وجيزة، شنَّت قوات الاحتلال الإسرائيلي حملةً تستهدف الشباب الفلسطيني واعتقلت ما يزيد على 40 طالبًا من جامعة بيرزيت. وازدادت الاعتقالات عقب احتجاز العربيد، وبما أن عددا كبيرًا من الطلاب المعتقلين قد حُرموا الحق في توكيل محام، فإن من المتوقع أن كثيرين منهم أيضًا تعرَّضوا للتعذيب.

غير أن الإجراءات المذكورة أعلاه ليست أمرًا جديدًا. فما انفك جهاز الأمن الإسرائيلي، منذ قيام دولة إسرائيل في 1948، يُعذِّب الفلسطينيين تعذيبًا ممنهجًا بأساليب متعددة. وعلى الرغم من أن بلدانًا كثيرةً تبنت حظر التعذيب في تشريعاتها المحلية (وإنْ كان لا يزال يُمارس على نطاق واسع تحت غطاء الأمن القومي)، فإن إسرائيل اتخذت مسارًا مختلفًا، حيث لم تسن تشريعات محلية تحظر استخدام التعذيب، بل سمحت محاكمُها باستخدام التعذيب في حالات “الضرورة.” وهذا مكَّن جهاز الأمن الإسرائيلي من استخدام التعذيب على نطاق واسع ضد المعتقلين السياسيين الفلسطينيين.

 التعذيب والقانون

تستأثر مسألة التعذيب بنقاشات مستفيضة حول ما تُمليه الأخلاقيات، إذ يرى الكثيرون أن ممارسة التعذيب تنم عن مجتمعٍ مريضٍ وفاسد، لأن التعذيب يقتضي نزعَ الصفة الإنسانية تمامًا عن ضحية التعذيب، وعندها يغدو الإذلال والامتهان بلا حدود. وفي حين أن الأجهزة الأمنية تبرر استخدامها التعذيبَ بأنه ينتزع معلومات تنقذ حياة الناس، إلا أن الوقائع تُثبت بطلان هذا التبرير. فالعديد من الخبراء البارزين، وحتى مسؤولين في وكالة الاستخبارات الأمريكية، يعتقدون أن المعلومات المنتزعة بالتعذيب تكون كاذبة في العادة، حيث يُضطّر المعتقلون إلى الاعتراف بأي شيء كي يتوقف الألم الذي يكابدونه.

يحظر النظامُ القانوني الدولي التعذيبَ بموجب قواعد القانونِ الدولي العرفي ومجموعةٍ من المعاهدات الإقليمية والدولية. ويحتوي القانون الدولي الإنساني، الذي يحكم سلوك الأطراف المتنازعة، نصوصًا تحظر التعذيب. وعلى سبيل المثال، تحظر اتفاقية جنيف الثالثة “الاعتداء على الحياة والسلامة البدنية، وبخاصة القتل بجميع أشكاله، والتشويه، والمعاملة القاسية، والتعذيب” و”الاعتداء على الكرامة الشخصية، وعلى الأخص المعاملة المهينة والحاطة بالكرامة.” ووفقًا لاتفاقية جنيف الرابعة، “تُحظَر ممارسةُ أي إكراه بدني أو معنوي إزاء الأشخاص المحميين، خصوصاً بهدف الحصول على معلومات منهم أو من غيرهم.”

والحظر على التعذيب حظرٌ مطلق لدرجة أنه يُعدُّ قاعدةً آمرة في القانون الدولي، أي أنه لا يقبل التقييد ولا يمكن إبطاله بموجب أي قانون آخر. ومع ذلك، لا يزال التعذيب مستخدمًا في بلدان كثيرة حول العالم، حتى بات أزمةً عالميةً بحسب تصنيف منظمةُ العفو الدولية التي رصدت مخالفات بشأن الحظر على ممارسة التعذيب في الغالبية العظمى من الدول الأعضاء في الأمم المتحدة في السنوات الخمس الأخيرة.

أدت “الحرب على الإرهاب” التي انطلقت بقيادة الولايات المتحدة في أعقاب هجمات الحادي عشر من سبتمبر إلى حالات مريعة من التعذيب الممنهج ولا سيما ضد المعتقلين العرب والمسلمين. ويُعد معتقل غوانتانامو الذي أقامته الولايات المتحدة في 2002 لاحتجاز “الإرهابيين” مسرحًا لممارسة التعذيب، بعد أن انتشرت حول العالم صور المعتقلين وهم معصوبو الأعين ومقيدون وجاثون على ركبهم في بزّات برتقالية.

ولعل الصور الأفظع من تلك الحقبة هي الصور الملتقطة في معتقل أبو غريب العسكري الأمريكي في العراق، حيث أظهرت الصور وتقارير الجنود المسربة بأن السجن كان موقعًا لممارسة التعذيب على نطاق واسع، بما في ذلك اغتصاب الرجال والنساء والأطفال. وحينها أدانت الإدارة الأمريكية تلك الأفعال، وحاولت أن توحي بأنها كانت حوادث فردية معزولة. غير أن منظمات حقوق الإنسان، مثل هيومن رايتس ووتش أفادت بعكس ذلك.

كشفت الشهادات الصادرة في الآونة الأخيرة بشأن أبو غريب عن صِلات خبيثة بين التحقيقات الأمريكية والإسرائيلية، إذ يدّعي محققٌّ أمريكي سابق في العراق في مذكراته أن الجيشَ الإسرائيلي درَّب أفرادًا أمريكيين على أساليب متنوعة من الاستجواب والتعذيب، مثل ما بات يُعرب بأسلوب “الكرسي الفلسطيني”، حيث يُجبَر المعتقل على الانحناء على الكرسي ثم تُربط يداه بقدميه. وهذه الممارسة المؤلمة جدًا أُتقنت بتطبيقها على الفلسطينيين – فسُميت باسمهم – ومن ثم تبناها الأمريكيون في العراق.

بالرغم من هذه الفضائح، لم تُتخذ سوى إجراءات قليلة جدًا لحماية أسرى الحرب، وما تزال الاعتبارات الأمنية تُساقُ لتبرير التعذيب. ففي أول مقابلةٍ مع دونالد ترامب عقب أدائه القسمَ كرئيس للولايات المتحدة، أعلنَ أن “التعذيب أسلوبٌ ناجع” في سياق “الحرب على الإرهاب”.

صادقت إسرائيلُ في 1991 على اتفاقية مناهضة التعذيب ولكنها لم تنعكس في تشريعاتها المحلية. وتصرُّ إسرائيل على أن اتفاقية مناهضة التعذيب لا تسري على الأرض الفلسطينية المحتلة بالرغم من تأكيد لجنة الأمم المتحدة عكس ذلك. 3 وهكذا تستطيع إسرائيل أنْ تنفي قطعًا وقوع جريمة التعذيب داخل حدودها، رغم أنها فعليًا تُجيزها في حالات “الضرورة” كما هو الادعاء في قضية العربيد. تُسمى حالات “الضرورة” أيضًا باسم “القنبلة الموقوتة” وهي عقيدة أمنية تستخدمها العديد من الحكومات لتبرير التعذيب والعنف في حالات تعدها حساسة من حيث الوقت.

أقرت إسرائيل أيضًا أحكامًا عديدة إزاء مسألة التعذيب تغفر للأجهزة الأمنية الإسرائيلية انتهاكاتها وتشدُّ على يدها. وعلى سبيل المثال، قام فلسطينيان في العام 1987 باختطاف حافلةٍ إسرائيلية قبل أن يقبض عليهما الشّاباك ويعدمهما. وبالرغم من صدور أمر بعدم النشر في هذه القضية في وسائل الإعلام الإسرائيلية، إلا أن تفاصيل التعذيب والإعدام تسربت وكانت السبب في إنشاء لجنة حكومية، خلصت إلى أن “الضغط [على المعتقلَين] لا يجب أبدًا أن يبلغ مستوى التعذيب الجسدي…[بيد أن] تجنب استخدام قدرٍ معتدل من الضغط الجسدي غير ممكن.” ولم تكن توصيات اللجنة منسجمةً والقانون الدولي بسبب وصفها المبهم لعبارة “قدر معتدل من الضغط الجسدي” والتي أطلقت يد الشّاباك فعليًا في تعذيب الفلسطينيين.

وبعد تلك الحادثة بعقدٍ ونيِّف، وكنتيجة لمطالبات منظمات حقوق الإنسان، أصدرت محكمة العدل الإسرائيلية قرارًا في 1999 يقضي بمنع محققي جهاز الأمن الإسرائيلي من استخدام الأساليب الجسدية في التحقيقات، وحظرت بذلك استخدام التعذيب بموجب القانون. وقضت المحكمة بأن أربعةَ أساليب من “الضغط الجسدي” ما عادت قانونية وهي: رجُّ المعتقل بعنف، وتقييده إلى كرسي في وضعية مؤلمة، وإكراهه على الجلوس في وضعية قرفصاء الضفدع لفترات مطوَّلة، وحرمانه النوم. غير أن المحكمة أضافت بندًا بمثابة ثغرةٍ قانونية للمحققين، ينص على أن المحققين الذين يستخدمون الضغط الجسدي لن يتحملوا مسؤوليةً جنائية إذا وُجِد أنهم فعلوا ذلك لإبطال قنبلة موقوتة أو لضرورةٍ يقتضيها الدفاع عن الدولة – أي إذا وُجِدَ أنَّ المعتقل يشكِّل تهديدًا مباشرًا للأمن العام.

أكَّدت محكمةُ العدل العليا الإسرائيلية في العام 2017 التعذيبَ كضرورةٍ أمنية حين حكمت لصالح الشّاباك الذي اعترف بممارسة “أشكالٍ قصوى من الضغط” على المعتقل الفلسطيني أسعد أبو غوش. ودفعت بأن أبو غوش كان يحوز معلومات عن هجوم إرهابي وشيك. وقد رأت المحكمة بأنه “أسلوب معزّز للتحقيق” ولا يندرج في باب التعذيب، وقضت بأنه مبرَّر استنادًا إلى عقيدة القنبلة الموقوتة. وتكرر صدور هذا الحُكم منذ ذلك الحين.

بالرغم من أن منظمات حقوق الإنسان الفلسطينية ترفع شكاوى وتظلمات للسلطات الإسرائيلية بانتظام، إلا أنها قلما تتلقى ردًا، ويكون الرد في الغالب لإبلاغها بأن ملف القضية أُغلق لعدم كفاية الأدلة. ومنذ 2001، رُفعت 1,200 شكوى بحق الأجهزة الأمنية على خلفية التعذيب، بيد أن محققًا واحدًا لم يُقدَّم للمحاكمة.

السجون الإسرائيلية: مسارح للتعذيب الممنهج

يدخل نظامَ السجون العسكري الإسرائيلي كلَّ عام آلافُ المعتقلين السياسيين الفلسطينيين، جُلُّهم من الأرض المحتلة في 1967. فمنذ بدء احتلال الضفة الغربية وقطاع غزة، وتطبيق الأحكام العرفية فيهما، اعتقلت إسرائيل ما يربو على 800,000 فلسطيني، أي 40% من عدد السكان الذكور أو خمس عدد السكان الإجمالي.

يُجيز القانون الإسرائيلي للجيش احتجاز المعتقل لمدة تصل إلى ستة أشهر دون اتهام بموجب الاعتقال الإداري. ويمكن تمديد هذه المدة إلى ما لا نهاية استنادًا إلى “اتهامات” غير معلنة. فلا يعلم المعتقلون، ولا محاموهم، التهمَ الموجهة إليهم ولا الأدلة المستخدمة ضدهم. وفي آخر يوم من الشهر السادس على الاعتقال، تخبر السلطات المعتقلين إذا كانت ستطلق سراحهم أم ستمدد احتجازهم. وهذه الممارسة، بحسب مؤسسة الضمير لرعاية الأسير وحقوق الإنسان، ضربٌ من ضروب التعذيب النفسي في حد ذاتها. 

وفي الفترة الأولى من الاعتقال، سواء الإداري أو غيره، يُحرَم المعتقلون في الغالب من التواصل مع المحامين أو أفراد أسرهم، ويتعرضون لأقسى أساليب التحقيق والتعذيب. وإذا قُدِّموا للمحاكمة، فإنهم يواجهون قرارات يصدرها عسكريون إسرائيليون، وغالبًا ما يُحرمون التمثيلَ القانوني الكافي. وهذا النظام غير قانوني بموجب القانون الدولي، وقد وثَّقت منظمات حقوق الإنسان الفلسطينية والدولية عددًا كبيرًا من انتهاكات حقوق الإنسان

لا يَسلم الأطفال من بلاء السجن والتعذيب في ظل النظام العسكري الإسرائيلي، وهم محرومون على الدوام تقريبًا من حضور أولياء أمورهم أثناء التحقيقات. وكمثال، اعتقلت شرطة الحدود الإسرائيلية في 2010 محمد حلبية البالغ من العمر 16 سنة في مسقط رأسه في أبو ديس. وقد تعرَّض حينها للضرب وكُسرت ساقه، وتعمد عناصر الشرطة ركله في رجله المصابة. وخضع للاستجواب لخمسة أيامٍ متتالية، وواجه تهديدات بالقتل والاعتداء الجنسي. وبعدها أُدخل المستشفى، واستمر عناصر الشرطة بالاعتداء عليه أثناء مكوثه هناك بغرس الحقن في جسده وتسديد اللكمات إلى وجهه. حوكم محمد كرجل بالغ، كما هي الحال مع جميع الأطفال الفلسطينيين المعتقلين الذين أتموا سنّ 16، في انتهاكٍ صريح لاتفاقية حقوق الطفل. 4 وفي كل عام، تعتقلُ إسرائيلُ نحو 500-700 طفل فلسطيني وتحتجزهم وتحاكمهم.

وفي الوقت الحاضر، تحتجر إسرائيل 5,000 معتقل سياسي فلسطيني، من بينهم 190 طفلًا، و43 امرأة، و425 معتقلًا بموجب الاعتقال الإداري، ويتعرَّض معظمهم إلى نوعٍ ما من أنواع التعذيب. وبحسب مؤسسة الضمير، فإن أكثر أساليب التعذيب شيوعًا عند الشّاباك بيت والمحققين تشتمل على الآتي:

  • التعذيب بالوضعية: يُجبر المعتقلون على اتخاذ وضعيات مُجهِدة، وغالبًا ما تنطوي على تقييد أيديهم خلف ظهورهم وتكبيل أقدامهم وإجبارهم على الإنحناء إلى الأمام. ويُتركون في تلك الوضعيات لفترات مطوَّلة أثناء عملية التحقيق.
  • الضرب: يتعرض المعتقلون في معظم الأحيان للضرب إما باليد وإما بأداة ما، وأحيانًا يفقدون الوعي.
  • الحبس الانفرادي: يُودَع المعتقلون في العزل أو الحبس الانفرادي لفترات مطوَّلة.
  • الحرمان من النوم: يُمنَع المعتقلون من الراحة أو النوم، ويخضعون لجلسات استجواب وتحقيق طويلة.
  • التعذيب الجنسي: يتعرض الفلسطينيون، رجالًا ونساءً وأطفالًا، إلى الاغتصاب والتحرش الجسدي والتهديد بالاعتداء الجنسي. والتحرش الجنسي اللفظي ممارسةٌ شائعة على وجه الخصوص، حيث توجَّه للمعتقلين تعليقاتٌ تطالهم أنفسهم أو تطال أفراد أُسرهم. ويُعد هذا النوع من التعذيب فعالًا في معظم الأحيان ا لأن وصمة العار المقترنة بالانتهاكات الجنسية تحول دون الكشف عنها من قبل المعتقلين.
  • التهديد باستهداف أفراد الأسرة: يواجه المعتقلون تهديدات باستخدام العنف ضد أفراد أسرهم لأجل الضغط عليهم للإدلاء بالمعلومات. وهناك حالات اعتُقل فيها أفرادٌ من أسر المعتقلين واستُجوِبوا في غرفة قريبة بحيث يستطيع المعتقل سماع أصواتهم وهم يُعذَّبون.

تتسبب أساليب التعذيب آنفة الذكر بضررٍ دائم للمعتقلين. وفي حين أن التعذيب الجسدي يمكن أن يُلحِقَ إصابات بجسم المعتقل، ككسور العظام وآلام العضلات والمفاصل المزمنة، ولا سيما نتيجة الوضعيات المرهقة أو الحبس في حيز محصور، فإن الضرر النفسي يمكن أن يكون أشد، حيث يتسبب في حالات مثل الاكتئاب الدائم والمستفحل، والهلوسة، والقلق، والأرق، والتفكير في الانتحار.

تتطلب العديد من آليات التعذيب تواطؤ فاعلين آخرين داخل النظام القضائي العسكري الإسرائيلي، بمن فيهم العاملون في الرعاية الطبية رغم أن مدونة أخلاقيات مهنة الطب كما في إعلان طوكيو وبروتوكول اسطنبول تنص على ألا يتعاون الأطباء مع المحققين الممارسين التعذيبَ، وألا يُطلعو القائمين بالتعذيب على المعلومات الطبية، وأن يجتهدوا في مناهضة التعذيب. أما الأطباء الإسرائيليون فما انفكوا يتواطؤون في تعذيب المعتقلين والأسرى الفلسطينيين، حيث كشف الصحفيون على مر السنوات وثائق تُثبتُ تواطؤَ الأطباء في التعذيب كتزييفهم أسباب الإصابات التي تلحق بالمعتقلين أثناء الاستجواب.

يتواطؤ الأطباء أيضًا من خلال إطعام المعتقلين قسرًا – وهو شكل آخر من أشكال التعذيب المستخدمة في إسرائيل، وإنْ كان أقلَّ شيوعًا. يتطلب الإطعام القسري تقييدَ المعتقل وتثبييته حتى يتسنى إدخال أنبوبٍ نحيل من تجويفه الأنفي حتى معدته. ومن ثم يُضخ خلاله سائلٌ لتغذية الجسم، ولا بد للممارسين الطبيين من إدخال الأنبوب الذي قد يذهب بالخطأ عبر الفم أو القصبة الهوائية بدلًا من المريء، وحينها يتوجب سحبه واستبداله. وهذا لا يتسبب بألم فظيع وحسب، بل يمكن أن يُحدِثَ أيضًا مضاعفاتٍ طبيةً خطيرة قد ترقى إلى الوفاة.

توفي عدة معتقلين فلسطينيين في عقدي السبعينات والثمانينات بسبب الإطعام القسري، ما حدا بالمحكمة العليا الإسرائيلية إلى إصدار أمرٍ يمنع هذه الممارسة، ولكنّ الكنيست أقرَّ قانونًا في 2012 أعاد الصفة القانونية لممارسة الإطعام القسري في محاولة لكسر إضرابات المعتقلين الفلسطينيين عن الطعام. وفي هذا الصدد، بعثت الرابطة الطبية العالمية رسالةً لرئيس الوزراء الإسرائيلي في حزيران/يونيو 2015 جاء فيها أن “الإطعام القسري ممارسةٌ عنيفة، ومؤلمة في معظم الأحيان، وغالبًا ما تُنافي مبدأ الاستقلالية الفردية. وهي تندرج تحت المعاملة المهينة واللاإنسانية، وقد ترقى إلى حد التعذيب.”

وقف التعذيب الإسرائيلي

التعذيب بالنسبة إلى الفلسطينيين ليس إلا تَجلٍ آخر من تجليات العنف المنظَّم الذي يمارسه النظام الإسرائيلي الذي يحتجزهم في سجن مفتوح ويحرمهم حقوقَهم الأساسية. ولا يسترعي هذا التعذيب سوى اهتمامٍ ضئيل من المجتمع الدولي لأن السلطات الإسرائيلية في العادة تتذرع بالأمن القومي وحجة “الحرب على الإرهاب.” وهذا ما حصل في حالة سامر العربيد الذي صورته وسائل الإعلام الإسرائيلية كإرهابي، ما دفعَ معظم الدول إلى التزام الصمت إزاء المعاملة التي تلقاها رغم الالتماسات والضغوط التي مارستها عليها العديد من منظمات حقوق الإنسان الفلسطينية والدولية. وكما هي الحال مع الانتهاكات كلها التي تُرتكب بحق الشعب الفلسطيني، يُشكِّك التعذيب الإسرائيلي في جدوى النظام القانوني الدولي.

في 13 أيار/مايو 2016، أوصت لجنة مناهضة التعذيب التابعة للأمم المتحدة إسرائيل بتطبيق ما يزيد على 50 تدبيرًا في أعقاب الاستعراض الدوري لمدى امتثالها لاتفاقية مناهضة التعذيب. ومن جملة ما أوصت به ضرورةُ توثيق التحقيقات وجلسات الاستجواب كافة بالصوت والصورة، والسماح للمعتقلين بالخضوع لفحوص طبية مستقلة، وضرورة توقف العمل بالاعتقال الإداري. وبالرغم من أهمية هذه التوصيات التي ينبغي أن تمتثل لها إسرائيل، إلا أنها لا تكفي حين تكون دول ثالثة غير راغبة عمومًا في محاسبة إسرائيل على انتهاك القانون الدولي وحقوق الفلسطينيين.

فيما يلي بعض الخطوات التي يمكن للمدافعين عن حقوق الفلسطينيين في الساحتين الدولية والمحلية أن يتخذوها بهدف وقف التعذيب الممنهج الذي تمارسه إسرائيل:

  • ينبغي للمنظمات أن ترفعَ دعاوى قضائية بالمسؤولية الجنائية الفردية خارج إسرائيل وفلسطين ضد المتورطين في تعذيب الفلسطينيين. والمسؤولية لا تقتصر على الذين يمارسون التعذيب، بل تطال كذلك مَن يتواطؤُ معهم ومَن يحذف المعلومات المتعلقة بحوادث التعذيب. وهذا يشمل المحققين والقضاة العسكريين وحراس السجون والأطباء. وبما أن التعذيب هو جريمةُ حرب آمرة، فإنه يخضع للولاية القضائية العالمية، أي أن بمقدور الأطراف الثالثة أن تتقدم بشكاوى جنائية ضد الأفراد. 5 وعلى الرغم من أن إثبات المسؤولية الجنائية الفردية لا يُعالج التعذيب الممنهج الممارس بحق الفلسطينيين، إلا إنه يضغط على الإسرائيليين المتورطين في التعذيب من خلال تقييد حركتهم وسفرهم إلى البلدان الأخرى.
  • تقع على عاتق المحكمة الجنائية الدولية مسؤوليةُ محاسبةِ إسرائيل بوصفها الهيئة القضائية المستقلة الوحيدة القادرة على وضع حدٍ لإفلات منتهكي حقوق الفلسطينيين من العقاب. وينبغي لمكتب المدعي العام أن يفتح تحقيقًا رسميًا في الانتهاكات المرتكبة في نظام السجون الإسرائيلي بناءً على كل المعلومات والتقارير المفصلة الواردة إليه.
  • ينبغي للدول الموقعة على اتفاقيات جنيف ومنظمات حقوق الإنسان الدولية أن تمارس الضغط على اللجنة الدولية للصليب الأحمر لكي تلتزم بولايتها في حماية المعتقلين الفلسطينيين والتحقيق في كل الاتهامات الموجهة بممارسة التعذيب. 6
  • ينبغي أن يستمر المجتمع المدني الفلسطيني والمؤسسات الفلسطينية في دعم القائمين على مساعدة ضحايا التعذيب. ومن الممكن تعزيز هذا الدعم من خلال تكريس الجهود بهدف تنمية تلك الموارد وإتاحتها في كل مناطق الضفة الغربية وقطاع غزة. وينبغي أن يشتملَ ذلك أيضًا على كسر الحرمة الاجتماعية المقترنة بالعلاج النفسي وإزالة وصمة العار عن الاعتداء الجنسي. فالتعامل مع حوادث الاعتداء الجنسي قاصرٌ في العادة لأن الضحايا يشعرون بعار شديد يلجمهم عن الحديث عن محنتهم، وامتناعهم عن الإفصاح يزيد التعافي صعوبةً. إن إيجاد مساحات أكثر أمنًا للأفراد والجماعات بغرض الحديث والإدلاء بالشهادات هو أمر أساسي في مساعدة الناجين في التعافي.

وبتضافر الجهود، يستطيع الفلسطينيون وحلفاؤهم أن يعملوا على تقييد ممارسة التعذيب المتجذرة في نظام السجون الإسرائيلي بغطاء القانون، وأن يعملوا في الوقت نفسه على مساعدة ضحايا التعذيب في التعافي.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك رد

إغلاق