أخبارملف خاص

سجن “عيادة الرملة” المسلخ والمقبرة والسجان فيه طبيب

مستشفى «سجن الرملة» اسم أمام المؤسسات الدولية والحقوقية، إلّا أنّه يخفي وراء اسمه واقعاً آخر يجسد موت الأحياء من الأسرى الفلسطينيين داخل سجون الاحتلال، لا سيّما الذين يتلقون العلاج داخله، فجميع القائمين على المستشفى ضباط في قوات الاحتلال، ويتعاملون مع الأسرى على أنّهم مخرّبون، ما يباعد منسوب الثقة بين المريض والطبيب.

أربع غرفٍ متقابلةٍ تحوي أسرّة حديدية أو اسمنتية وليست طبية، الممرض هناك، هو نفسه سجان، يأتي صباحًا بالمسكنات التي غالبًا ما تكون “حبة أكامول” لكل الأوجاع: السرطان والسكري والضغط والزائدة والجلطة وضمور العضلات وبتر الأطراف، أوجاعٌ تحتاج أغلبها لعملياتٍ جراحيةٍ فوريةٍ ومعقدةٍ وطويلة، يتم مداواتها بالمسكنات كأنها ألمٌ في اللثة أو نزلة برد.

استشهاد ابو ادياك

في سجن الرملة، استشهد -خلال الأسبوع الماضي- الأسير المريض بالسرطان سامي أبو دياك، بعد أن أمضى 18 سنة في السجن، خمس سنوات منها يصارع المرض والموت دون أن تقدم له أدنى رعايةٌ طبيةٌ أو نفسية، لينضم إلى 221 شهيدًا آخرين سبقوه منذ عام 1967، بينهم 67 شهيدًا نتيجة المرض، وبقيتهم بسبب التعذيب أو القتل المباشر بالرصاص.

وتتراوح أعداد الأسرى المرضى داخل مستشفى سجن الرملة ما بين 15- 25 مريضاً مقيماً بشكل دائم في المستشفى، يعانون من أمراض مزمنة مثل السرطان والكلى والقلب، فيما استشهد الكثير من الأسرى المرضى داخل مستشفى سجن الرملة جراء الإهمال الطبي.

ويعرف الطبيب الإسرائيلي موعد أوجاع الأسرى المرضى المقيمين داخل المستشفى، ويراقب كل شيء بلا حراك ولا علاج، بل ينتظر لحظة خروج الروح من الأسير في مقبرة الأحياء أمام ناظريه.

الاسير التاج يروي ما عايشه هناك

الأسير السابق محمد التاج من طوباس، يصف ما شاهده خلال أربعة شهور في عيادة سجن الرملة قائلاً: “كان خالد الشاويش يعاني طوال الوقت من الآلام، في كل مكان من جسده يسكن وجعٌ لا يطاق، وكان منصور موقدي يحمل أحشاءه في يده كلما تحرك وهو مقعد، وكان ناهض الأقرع مبتور القدمين ومقعدًا ومصابًا بعدة رصاصات، كانوا يصيحون من أوجاعهم بشكل يومي”.

وبيّن التاج، أنه لا تهوية في الغرفة ولا “فورة”، فجميع الأسرى يمضون أوقاتهم في تفقد آلامهم، موضحًا أن 17 سنة مرت على الشاويش وموقدي، وأكثر من 10 سنوات على الأقرع، وهم في سجن يدعي الاحتلال أنه مستشفى.

وأضاف، “دخلت سجن الرملة في الفترة ما بين كانون ثاني ونيسان 2013، بعد 10 سنوات من اعتقالي وإصابتي بضيق في التنفس نتيجة قمع الغرفة التي كنت أعيش فيها في سجن جلبوع بالغاز السام في الخامس من تموز 2004. ساءت حالتي الصحية خلال تلك السنوات الطويلة من انتظار العلاج، حتى أصبت بتليف في الرئتين، استدعى لاحقًا زراعة رئتين وقلب لي بعد رحلة علاج استمرت سنوات ما بين رام الله والنمسا والهند، بعد تحرري في نيسان 2013”.

وتابع، “حين دخلت، كان هناك 17 أسيرًا مريضًا، سبعةٌ منهم كانوا على كراسي متحركة، وأسرى يعانون أمراضًا في القلب والكلى، وآخرون يعانون من إصاباتٍ بالغةٍ بالرصاص في الأمعاء، وهم جميعًا بحاجةٍ لمن يرعاهم، لكنهم كانوا يرعون أنفسهم بأنفسهم”.

وأشار إلى أن قسم الأسرى الأمنيين قبل العام 2010 كان فيه قسمٌ للأسرى الأمنيين يحتوي 8 غرفٍ ومطبخ، ويُتاح لهم الخروج إلى “الفورة”، قبل أن يتم التضييق عليهم وينقلوا لقسم فيه 4 غرفٍ صغيرة لا مساحة كافية للتحرك فيها، والطعام الذي يُقدم لهم شديد السوء.

هذه الآلام، حرمت أسرى كثيرين من الزيارة بسبب عدم قدرتهم على الذهاب لقاعة الزيارة، وإن استطاعوا الذهاب لهما كانوا يُنقلون إليها مُقيّدين، حتى أن الأسير الشاويش كان يجر كرسيّه المتحرك بصعوبة ويدير ظهره لوالدته حتى لا يبكي أمامها أثناء الزيارة، وفق التاج.

مدفن الاحياء

الروائي والأسير السابق وليد الهودلي، صدر له في عام 1999 كتابًا بعنوان “مدفن الأحياء”، يروي فيه حكايات 28 أسيرًا مريضًا. عندما سألناه عن عيادة سجن الرملة أجاب باختصار شديد قائلاً: “هو في الواقع كباقي السجون. حقل تجارب في الأسرى المرضى لصالح شركات الأدوية الإسرائيلية، وقد قالت ذلك ذات مرَّة داليا اتسك، عضو الكنيست الإسرائيلي”.

وأضاف الهودلي، أن الأسير الذي لا تستوعبه السجون الأخرى نظرًا لوضعه الصحي المتدهور، يوضع في سجن الرملة، موضحًا أن السجن فيه تفتيشٌ وقمعٌ وعزلٌ كبقية السجون، وما يميزه فقط الجولة التفدية لممرض سجان يأتي بالمسكنات والأدوية للأسرى المرضى صباحًا ومساءً.

يُبين الهودلي، أن خطأ يحدث دائمًا في تشخيص المرض يقود إلى تفاقم الوضع الصحي للأسرى، ثم يأتي الإهمال الطبي ليُجهز تدريجيًا على الأسير المريض، مشيرًا إلى أن صورة الأشعة -مثلاً- تحتاج إلى سنتين أو ثلاثة حتى إصدارها، بينما العمليات الجراحية المستعجلة تحتاج سنواتٍ لإجرائها.

يروي الهودلي، أن الأسير علاء البازيان كان يُقيد في معتقل الرملة من قدميه ويديه رغم أنه ضرير، كما أن الأسير أنس شحادة أجريت له عملية استئصال الزائدة الدودية بدون تخدير “بنج”، إذ قيّدوه بكرسي ووضعوا خشبة في فمه وشقوا بطنه.

وأضاف، “معدات وماكينات غسيل الكلى قديمة جدًا تعود إلى ستينات وسبيعنات القرن الماضي، تقتل الأسير مئة مرة وهي تغسل كليتيه”.

يذكر الهودلي من الأسرى الشهداء نتيجة المرض، السبعيني يوسف العرعير، وكان محكومًا بالسجن 27 سنة وبحاجة ماسة لعملية قلب مفتوح، إلا أن سلطات الاحتلال رفضت إجراء العملية، فاستُشهد نتيجة مرضه قبل ستة شهور من موعد انتهاء حكمه.

ومن شهداء المرض في الحركة الأسيرة أيضًا، محمد أبو عدوان ورياض عدور ومعزوز دلال وميسرة أبو حمدية.

مشاهد مؤلمة

ويصف رئيس هيئة شؤون الأسرى والمحررين سابقاً، عيسى قراقع، المشهد داخل مستشفى سجن الرملة، بالأقدام المبتورة، والأجساد المشلولة، والعربات المتحركة، والعكازات، والضمادات، والقطن والبقع الحمراء، وأجساد مفتوحة، في مكان لا يدخله زائر، إذ إنّ المتحكم الوحيد هو السجان الإسرائيلي. ويشير قراقع، إلى أنّ مئات الأسرى المرضى من شباب ونساء وأطفال، يمرون يومياً على الطبيب الإسرائيلي، بعضهم يخرج ميتاً على تابوت بعدما قضى عليه المرض، فيما الطبيب يشاهد المرضى وهم يحتضرون.

صلف سجّان

ويضيف قراقع: «كم من أسير مشلول ومحطّم منذ سنوات يحاول التمسك بالحياة داخل مستشفى الرملة، يخذله حقد السجّان الذي تتقافز السعادة من وجهه عندما يطلب منه تحضير الأكياس السوداء لأسير وصل حافة الموت، يتلذذ السجان بسماع صرخات الأسرى الذين لم يعد الدواء يجدي معهم نفعاً وينتظرون الموت». يلبس السجان ثوب الطبيب حيناً وثوب السجّان حيناً آخر، لقد أضحى متبلّد الحس لا يتعاطف مع الأسرى وفق ما تربّى عليه في مدارس الاحتلال، فسعادته في رؤية أجساد الأسرى المنهكة على غرار الأسيرة إسراء الجعابيص، والأسير ناهض الأقرع، والأسير جلال الشراونة، والطفل محمود صلاح.

ويقع سجن الرملة في منتصف الطريق بين مدينتي الرملة واللد داخل الخط الأخضر، وهو مجمعٌ أمنيٌ مترامي الأطراف شُيد في عام 1934 من قبل سلطات الاحتلال البريطاني، ومحاط بسور مرتفع”.

بعد النكبة، حوّل الاحتلال الإسرائيلي، “سرايا الرملة” إلى مركزٍ لجيشه، ثم في عام 1953 تم افتتاح أول قسمٍ فيه لاعتقال الفدائيين الفلسطينيين والمصريين العابرين من سيناء وقطاع غزة. ثم بعد النكسة، تم تحويل “السرايا” بكاملها إلى سجن مركزي جنائي للإسرائيليين، مع تخصيص قسم واحد منه للأسرى الفلسطينيين من مدينة القدس.

وفي عام 1968، خصص الاحتلال الإسرائيلي قسمًا منه لاعتقال الأسيرات الفلسطينيات، عُرِف باسم “نفي ترتسيا”، وفي قسم نفسه وُضِعت سجينات جنائيات إسرائيليات، آنذاك.

قبل نهاية عقد السبعينيات من القرن الماضي، باشرت إدارة سجون الاحتلال ببناء قسم للأسرى المرضى “مراش”، وهو الذي يُعتَقَلُ فيه حاليًا الأسرى المرضى. ويقوم سجن الرملة أيضًا بتنظيم حركة الترانزيت بين السجون ومراكز التوقيف المتعددة، وتطلق إدارة سجون الاحتلال عليه مصطلح “معبار”، حيث يمر منه الأسرى المنقولون من سجون شمال فلسطين إلى سجون الجنوب أو الوسط، والعكس.

ويضم سجن الرملة أيضًا سجون، “أيالون” و”نفي ترستا” و”نيتسان” و”مراش” الخاص بالأسرى المرضى.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك رد

إغلاق