مقالات رأي

القدس في ظل القانون الدولي

الكاتب | عبداللطيف خضر

اقترح قرار التقسيم الذي أصدرته الجمعية العامّة للأمم المتحدة رقم 181 أن تكون القدس Corpus    Separatum في ظل نظام دولي تُديره الأمم المتحدة. تعتبر الإجراءات التي اتخذتها إسرائيل لدمج القدس الغربية والتي اتخذتها بعد حرب حزيران 1967 لتأكيد السيادة على كل القدس كانت محل شجب متكرّر من قبل الأمم المتحدة وليس لها أي أثر قانوني كما بينت قرارات مجلس الأمن المختلفة.

 

احتلال إسرائيل للقدس الغربية منذ عام 1948 لم يحظ باعتراف قانوني، مع أن معظم الدول تعترف بسلطة الأمر الواقع لإسرائيل على القدس الغربية، صادق اتفاق الهدنة العام بين الأردن وإسرائيل لعام 1949 على التقسيم الواقعي للمدينة، لكن لم يؤثّر ذلك على الوضع القانوني للمدينة، في ظل القانون الدولي فإن إسرائيل في وضع الاحتلال المحارب للقدس الشرقية، ولا يحق للاحتلال المحارب منح حقوق ملكية.

 

إضافة إلى ذلك، ينطبق مبدأ عدم جواز الاستيلاء على حقوق الملكية بالقوة في هذا السياق، والقدس الشرقية هي ضمن الأراضي التي احتلت في حرب حزيران 1967 والتي يجب على إسرائيل الانسحاب منها وفقاً لقرار مجلس الأمن رقم 242.

 

يوجد لفلسطين مطالبة شرعية بالسيادة على المدينة بناء على حقيقة أن القدس كانت في ظل العثمانيين وأثناء الانتداب البريطاني جزءاً لا يتجزّأ من أراضي فلسطين، وإلى أن غيّرت الهجرة اليهودية التركيبة الديمغرافية للمدينة، كان غالبية سكّانها من العرب مع أن السيادة عليها معلّقة.

شكّلت فلسطين جزءاً من الامبرطورية العثمانية، وُضعت فلسطين بعد هزيمة تلك الامبرطورية في عام 1922 تحت انتداب عصبة الأمم حيث كانت بريطانيا هي سلطة الانتداب.

 

كانت القدس خلال فترة الانتداب جزءاً لا يتجزأ من أراضي فلسطين ومقر إدارتها، أعطى الانتداب تنفيذا لوعد بلفور عام 1917 بتأييد إقامة “وطن قومي” لليهود في فلسطين، لم يتضمّن الانتداب أية بنود محددة تتعلّق بالقدس مع أن المادة 13 والمادة 14 من قانون الانتداب لم تتضمّن بنود حول الأماكن المقدّسة.

 

وفقاً للمادة 13، تسلمت بريطانيا المسؤولية الكاملة عن الأماكن المقدّسة، بما في ذلك الحفاظ على “الحقوق الحالية”، “ضمان حرية العبور”، “والممارسة الحرّة للشعائر الدينية”، باستثناء ما هو متعلّق بإدارة الأماكن الإسلامية المقدّسة التي ضَمن الانتداب حصانتها.

وتنص المادة 14 من قانون الانتداب على تشكيل لجنة خاصّة “لدراسة، تعريف، وتقرير الحقوق والمطالبات المتعلقة بالأماكن المقدّسة والحقوق والمطالبات المتعلقة بالجاليات الدينية المختلفة في فلسطين”، في ضوء الصعوبات المتّصلة بإقامة تمثيل لكل الجاليات الدينية، لم يتم تشكيل اللجنة أبداً وبقيت المسؤولية عن الأماكن المقدّسة بيد سلطة الانتداب التي واصلت حالة الوضع الراهن التي كانت سائدة أثناء الحكم العثماني وحكمت العلاقات بين الجاليات المختلفة.

عندما وُضعت المسألة أمام الأمم المتحدة في عام 1947، عيّنت الجمعية العامة لجنة خاصّة حول فلسطين، أوصت اللجنة بالإجماع بالحفاظ على قدسية الأماكن المقدّسة وضمان حرية الوصول إليها “وفقاً للحقوق الموجودة”، قدّمت اللجنة خطتين بديلتين لفلسطين، وَضعت خطة الأقلية تصوراً لإقامة دولة فيدرالية موحّدة في فلسطين تكون القدس عاصمتها وبلديتين منفصلتين للقسمين اليهودي والعربي.

 

كما أوصت بوضع نظام دولي دائم للحماية والإشراف على الأماكن المقدّسة في القدس وفي أماكن أخرى، أوصت خطة الأغلبية بتقسيم فلسطين إلى دولة عربية ودولة يهودية، والتدويل لمنطقة القدس كمقاطعة في الدولة العربية، الخطة الأخيرة التي أقرّتها الجمعية العامة في القرار رقم 181 الذي أنهى الانسحاب واقترح إقامة دولة عربية ودولة يهودية على أراضي فلسطين، وتم اقتراح نظام دولي خاص للقدس تُديره الأمم المتحدة، وسيتم تعيين مجلس وصاية للقيام بمسؤوليات السلطة الإدارية بالنيابة عن الأمم المتحدة”.

اندلعت أعمال العنف في عام 1948-1949 واحتلت إسرائيل القدس الغربية وبقيت القدس الشرقية تحت السيادة الأردنية، أضفى اتفاق الهدنة العام بين إسرائيل والأردن بتاريخ 3 نيسان 1949 الصفة الرسمية على التقسيم الواقعي للمدينة.

لم تتخل الأمم المتحدة عن هدف تدويل منطقة القدس على الرغم من أعمال العنف، في نيسان 1948 أعدّ مجلس الوصاية مسودة قانون للكيان الدولي المنفصل المخطط له، شكّلت الجمعية العامة وفقاً للقرار 194 لجنة المصالحة التي تألفت من ثلاثة أعضاء، قرّرت اللجنة أن “منطقة القدس، بما في ذلك البلدية الحالية للقدس والقرى والبلدات المحيطة … يجب أن تُمنح معاملة خاصّة ومنفصلة عن بقية فلسطين وأن توضع تحت سيطرة فعّالة للأمم المتحدة”.

 

لم تقبل إسرائيل بذلك، مع أنها قبلت بتطبيق النظام الدولي أو السيطرة الدولية على الأماكن المقدّسة، ومع ذلك وفي نيسان 1950 تبنّى المجلس قانوناً مفصّلاً لمدينة القدس يرتكز على البنود الواردة في القرار 181 ولم يُبد أي من الطرفين الاستعداد لقبول القانون المقترح.

 

في أيلول 1948 تأسّست المحكمة العليا في القدس، وفي شباط 1949 اجتمع أعضاء الكنيست في المدينة تبع ذلك تأسيس عدد من الوزارات ومرافق للخدمات العامة في المدينة وأعلنت إسرائيل في عام 1950 أن القدس هي عاصمتها، وأصدرت في عام 1980 “القانون الأساسي” الذي لم يُعلن رسمياً ضم القدس الشرقية، لكنه ضمّها عملياً بإعلان المدينة الموحّدة عاصمة لإسرائيل ومقر مؤسسات الدولة الرئيسية.

 

شجب مجلس الأمن والجمعية العامة بشدة هذا الإجراء، كما أبدى مجلس الأمن الاستياء الشديد في القرار 478 من سن التشريع الإسرائيلي وأكّد أنه “يشكّل انتهاكاً للقانون الدولي ولا يؤثّر على التطبيق المستمر لاتفاقية جنيف ذات الصلة بحماية الأشخاص المدنيين في وقت الحرب بتاريخ 12 آب 1949 في الأراضي العربية والفلسطينية الأخرى المحتلة منذ عام 1967 بما فيها القدس”.

 

قرّر المجلس “عدم الاعتراف “بالقانون الأساسي” والأعمال الأخرى المماثلة التي تقوم بها إسرائيل وتسعى نتيجة لهذا القرار إلى تغيير صفة ووضع القدس”، ودعا كافة الدول الأعضاء إلى قبول قرارها، كما دعا الدول الأعضاء التي أقامت بعثات دبلوماسية في القدس إلى سحبها منها. ويُواصل هذا القرار، الذي أعاد التأكيد لاحقاً بصياغة مماثلة، تجسيد موقف الأمم المتحدة ومعظم الحكومات بشأن وضع القدس.

لقد رفض المجتمع الدولي رفضاً باتّاً ادّعاءات السيادة الإسرائيلية على المدينة (بقسميها الشرقي والغربي) ولم يقبل أيضاً بأن هناك الآن سيادة لأية دولة على المدينة.

السيادة على القدس حالياً مُعلّقة، يبدو كذلك أن هناك إجماع بأن للقدس وضع منفصل عن إسرائيل وبقية الأراضي المحتلة، فشل جهود الأمم المتحدة للتوسّط بشأن حل خاص بالقدس، القبول الواسع لمفهوم (corpus separatum)، والإشارة في القرارات المتعاقبة للأمم المتحدة إلى “وضع القدس” وإلى “الأراضي الفلسطينية والعربية التي احتلتها إسرائيل منذ عام 19867، بما فيها القدس” تشهد على ذلك.

 

لم يتم تقرير الطبيعة الدقيقة لذلك الوضع، النظام الدولي الذي سيطبق على القدس مسألة يجب حلّها في سياق مشروع السلام النهائي كما اتفق عليه بين الجانبين في إعلان المبادئ وفي الاتفاقية المرحلية، سواء كان هذا النظام على شكل مدينة مُقسّمة وكل طرف يتمتّع بالسيادة على القسم الخاص به، أو سيادة مشتركة، أو مجموعة أنظمة دولية كما ورد في خطة التقسيم الأصلية، أو حل آخر فإن كل ذلك يخضع للتفاوض.

بالنتيجة النهائية فإن القدس وفقا للقانون الدولي لا تزال مدينة محتلة، ووجود قوات الاحتلال الاسرائيلي فيها هو من قبيل الاحتلال العسكري الفعلي، ويبقى أمل الفلسطينيين منتظرا تطبيق قرارات الأمم المتحدة بانسحاب الاحتلال من مدينة القدس.

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك رد

إغلاق