مقالات رأي

الحليم الحيران!

الكاتب | أسامة الأشقر

ليس الحليم هو من يصفح بل هو القادر على العقوبة ثم يعفو عنها أو يؤخرها ولا يعاجل بها، أي أنه ذو تمكّن وقدرة ونفوذ واستقلال؛ وليس الحليم ذلك القاعد أو المتفرج أو الذي لا تأثير له، فهذا يمكنه أن يتحيّر كما شاء إذ لا غَناء في حيرته ولا يلتفت أحد إلى موقفه إلا على سبيل زيادة العدد!

هذا الحليم تراه واقعاً في تناقضات لا تجعله قادراً على اتخاذ موقف يستند إليه في سلوكه بعد ذلك، فلا هو قادر على إنفاذ قوته وفرضها، أو حكمته وإقناع الناس بها، ولا هو قادر على الخروج من الأمر بالكلية أو الجزئية، ولا هو قادر على الوساطة الإيجابية أو الحيادية، ولا هو قادر على إرضاء طرف إذ سيغضب الطرف الآخر من استرضاء عدوّه، بينما تلحّ عليه الأطراف لاتخاذ موقف واضح وإلا سيدفع ثمن ذلك!

هذا الحليم أصابته الفتنة الباقرة كما وصفها الأثر: “سَيَأْتِي على النّاس فِتْنَةٌ باقِرَةٌ تَدَعُ الحَلِيمَ حَيْرَانَ ” فهي فتنة واسعة عظيمة تورّط فيها الجميع، ومَن ليس متورطاً فلا مناص من تورطه شاء أم أبى، ولا يدري أين سيُلقي به موقفه، فهو إن وقف مع ما يظنه حقاً خسر، ومع ما يظنه باطلاً خسر، ولو صمت في الأمر الملتِبس خسر.. لا يعرف اسماً للمرض ولا تشخيصاً ولا دواءً ! والأدهَى من ذلك أنّ الجميع يتذرّع بمبادئ يدّعيها الجميع ويحتج بها على الآخر!

وأحسن المواقف هاهنا هو أردؤها وهو الصمت الذي يتكلم في الغرف المغلقة مع الجميع بما يحبون سماعه بتحفّظ مدروس ودون التزام بشيء، وهذا يعني أن تكون أعمى وأنت مبصر، وأخرس وأنت متكلم، وأطرش وأنت سامع.. وهي نصيحة قديمة قالها الحكيم المظلوم أبو موسى الأشعري: ( وأنا أعلم بهذه الفتن ! إنها إذا أقبلت شبّهت، وإذا أدبرت أسفرت؛ كأني أسمع رسول الله صلى الله عليه وآله بالأمس يذكر الفتن فيقول: أنت فيها نائماً خيرٌ منك قاعداً، وأنت فيها جالساً خير منك قائماً، وأنت فيها قائماً خير منك ساعياً، فثلِّموا سيوفكم، وقصِّفوا رماحكم، وأنصِلوا سهامكم، وقطِّعوا أوتاركم، وخلّوا قريشاَ ترْتق فَتْقَها، وترْأب صدعَها، فإن فَعَلتْ فلأنفسها ما فعلت، وإن أبَتْ فعلى أنفسها ما جَنَتْ، سمنُها في أديمها…).

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك رد

إغلاق