مقالات رأي
أخر الأخبار

المؤمن السحابي

الكاتب| علاء عاصم الجعبري

في عالم تكنلوجيا المعلومات، كان المستخدم للحاسوب يحتاج الى وسيلة تخزين مناسبة لنقل بياناته، البعض كان يضطر لحمل الهاردسك الخاص بحاسوبه من أجل نقل بيانات كبيرة الحجم، ثم ظهرت الهاردسكات المتنقلة وفلاشات التخزين، وأخيرًا ظهرت تقنية التخزين السحابي، بحيث يستطيع المستخدم تخزين بياناته على مواقع سحابية على الانترنت، وبالتالي يستطيع المستخدم أن يرى بياناته بغض النظر عن مكان تواجده، فالنسخة التي تحتفظ بها على سحابة التخزين ستشاهدها تمامًا كما هي عندما تسافر لدولة أخرى.
السؤال الهام الذي يتردد على ألسنة المؤمنين عبر طول الزمان هو: لماذا يتغير ايماننا بتغير الزمان والمكان والأشخاص؟ لماذا لا نجد نفس النسخة من المؤمن التي يظهر بها في بلده وبين أهله؟ لماذا نقع بالحرام في سفرنا ونعود لالتزامنا أمام أهلنا؟ والسؤال الأهم هو : هل يمكن ايجاد مؤمن سحابي، يتنقل ايمانه معه أينما حل وحيثما ارتحل؟
في مجتمعاتنا العربية، جزء كبير من الالتزام الدينيّ هو عادات وتقاليد نشأنا وترعرعنا عليها، فقد انتشرت ثقافة العيب أكثر بكثير من تربية المؤمن على الحلال والحرام، وأصبحت الأعراف والتقاليد تمتلك سلطات دينية أكبر من سلطة الدين نفسه، فبتنا نمتنع عن كثير من الأمور بدافع عدم مخالفة الأعراف والتقاليد، ومن ثم تَنْفَلِتُ عِقَالُنَا إن ذهبنا لمكان لا يرانا فيه مجتمعنا، ولا نخضع فيه لسلطة الأعراف.
حتى علماء الدين نفسهم، لا يجرؤوا على مخالفة الأعراف والتقاليد عند اصدار الفتاوى، فلم نلاحظ تقدم ملحوظ لعلم الفتوى وخاصة في المجتمعات المحافظة، وظلت الفتوى تتماشى مع العرف السائد في البلد، فبات التغيير يحتاج الى سنوات طوال، وبدل أن نؤسس لدين سليم يساعد المسلم على الالتزام، التزمنا بقيود المجتمع، ودفعنا المؤمن لأن يبحث عن بديل محرم بدل شرعنة الطرق السليمة.
المؤمن السحابي الذي أتكلم عنه، هو المؤمن الذي يرتبط ايمانه بالسماء، فايمانه معلق هناك، يحصل من خلاله على نفس النسخة الايمانية التي يعيشها في بلده، المؤمن السحابي يتصرف في تركيا وفلسطين وأوروبا وأمريكا نفس التصرفات، ويمتنع عن نفس الأمور، ويبيح لنفسه نفس المبيحات، هو مؤمن امتنع لأن الله أمر بذلك، وسمح لنفسه لأن الله سمح بذلك.
المؤمن السحابي هو أكثر تحررًا وأكثر التزامًا، أكثر تعايشًا وأقل تأثرًا، يتقن اللهو المباح ويبدع في الامتناع عن اللهو المحرم، يعرف من أين تُؤْكَلُ كَتِفُ الخاروف ويمتنع عن أَكل النطيحة والمتردية وما أكل السبع.
السؤال الأهم هو : كيف يمكن أن ننشىء هذا المؤمن؟ كيف يمكن أن نربي أبناءَنا وأنْفُسَنَا على عقيدة راسخة وإيمان عميق يرافقنا أينما حللنا وحيثما ارتحلنا؟ كيف يمكن للمؤمن أن يكون أقوى في ظل انتشار الشهوات والمغريات وتوفر المحرمات؟ كيف يمكن أن نبني في نفس المؤمن الاستعلاء والأَنَفَة عن كل ما هو محرم؟
اليوم النقاشات الدائرة في المجتمعات العربية هي حول الحفاظ على الشكليات التي هي من العادات والتقاليد، وكأن الرسالة تقول: حافظوا لنا على صورة البلد، وافعلوا ما شئتم خارجها، وكأن الصورة النمطية التي اعتاد عليها مجتمع معين هي أهم من الدين.
لذلك نرى نفس المؤمنين الذين يحاربون أي مظهر من مظاهر مخالفة بعض العادات والتقاليد، نراهم في سرهم يمارسون أسوأ أنواع الموبقات، يأكلون الميراث، ويتعاملون بالربى، وقد يقعون في محرمات الشرب والزنى في سفرهم أو ان توفرت السرية لهم.
ان كنّا نبحث عن رسالة سامية للمسلم في حياته، عن مؤمن ينشر هذا الدين في ربوع العالمين، علينا أن نُنْشِىء مؤمن سحابي، ايمانه راسخ ويتنقل معه أينما كان، ألم نسأل أنفُسَنا كيف يمكن أن ننشر هذا الدين في ربوع العالمين، ونحن نغرق في تصرفات أسوء من تصرفات من هم خارج الإسلام، وما هي الصورة التي نقدمها عن ديننا عندما يرون التزامنا خارج بلداننا.
مهمة انشاء مؤمن من هذا النوع هي مهمة كبيرة تواجه تحديات عظيمة، قد تكون أكثر من تحديات المؤمنين في بداية الاسلام، فاليوم نحن نتكلم عن توفر المعصية للمؤمنين في كل مكان، فعالم الانترنت مليء بالمعاصي، وسفر المؤمن يوفر له أبواب كبيرة للمعصية ان لم يردعه ايمانه.
لم يعد بامكاننا أن نراهن على عدم تعرضنا نحن وأبناءَنا للفتن، ولكن المراهنة باتت على انشاء مؤمن تعرض أمامه الفتن ويمنعه ايمانه عن اقترافها، هو ايمان عميق مرتبط برقابة دائمة ترافق المؤمن أينما كان، هو ايمان المحب لله الذي يعمل الطاعة قربًا لهذا الحبيب ويمتنع عن المعصية طمعًا في نيل رضى هذا االحبيب، هو ايمان نابع من فهم عميق لهذا الدين وأصوله ورسالته، وهو أبعد ما يكون عن ايمان ظاهري بهدف مجاراة المجتمع أو الظهور بمظهر نمطي معين.
أخيرًا لا بد أن تراعي الفتوى فكرة عولمة المؤمن، فنحن لا نصدر أحكام لمؤمن يعيش في قرية معزولة عن العالم، أو مؤمن لا يختلط ببقية الأديان، ولا يتعرض للفتن والمعاصي المنتشرة، لا بد أن تنتقل الفتوى من تبعيتها للأعراف والتقاليد، الى عالميتها ومواكبتها للتطور الحاصل واختلاط المجتمعات بعضها ببعض، حتى نستطيع انشاء مؤمن رسالي قادر على حمل الرسالة والمحافظة على أوامر الله ونواهيه.
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك رد

إغلاق