مقالات رأي

النحس والتخطيط!

الكاتب | أسامة الأشقر

لا يولَد النحسُ مع المرء، إنما يستولده حتى يقوم به، ويصير علماً عليه، وإنما يصير نحساً بأمرين: بتوقع الأمور السالبة واعتقاد حصولها؛ ثم بانجذاب هذه السوالب لتوقعاته المتمّكنة في خطة عمله .

وهذا الأمر ينشأ فيما وراء الوعي أساساً إذ إن العقل يستجيب لهذه التوقعات المتخيّلة ويعطي أوامره وإشاراته بالتعامل مع الأمر المتوقع الذي سيتشكّل وفق هذا التخييل، وترى ذلك ملموساً بزيادة حركة القلب وسرعة التنفس واضطراب حرارة الجسد وتغيّر تقاسيم الوجه… .

وبما أن حقائق الأشياء لا تتغير وإنما تتغير طريقة التعامل معها باعتبار أن السلوك ينبع من إحساس قويّ فإن هذا المنحوس يتعامل بمنطقه المتوقَّع السالب أمام أي صعوبة أو تحدٍّ اعتيادي يصادفه في أي قضية، فتبدو له مغلقة مقفلة لا مخرج منها؛ ولا يسعه التفكير بأنها قابلة للفتح والمعالجة.

إن النفس تربة خصبة تقبل أي بذرة تضعها فيها، فالبذرة الطيبة تخرج لك زرعاً طيباً، والبذرة السيئة تخرج لك رؤوس الشياطين.
والمنحوس مصاب بالوسواس القاهر الذي ينظر من زاوية مظلمة مصمتة لا ترى الأضواء فتفترض أن طريقها محفوف بالحفر وسينتهي إلى هاوية، وبإمكان المرء أن يتعامل مع نفسه باعتبارها أرضاً محايدة سهلة الإقناع ويحتال عليها لتعيد تركيب أوامرها لتضيء المكان المظلم ذاته ، ومن هنا جاء منطق التفاؤل: (تفاءلوا بالخير تجدوه)، الذي يتأسس على الظن الاعتقادي: ( وأنا عند ظنّ عبدي بي) ، ومن هنا يجيء منطق التشاؤم: (لا تمارضوا فتمرضوا ، ولا تحفروا قبوركم فتموتوا )، هذا الظن يسير في سياق تمكين الاعتقاد وتثبيته في ذهن صاحبه، وتركيزه حتى يكون حقيقة مطلقة لديه غير قابلة للتشكيك في كل اتجاه يسير فيه.

النحس وهو الجانب السالب المناقض للتفاؤل والسعد واليُمْن مرض نفسي يصاب به المرء نتيجة حساسيته المفرطة أو ضعف الفهم لديه لحقائق الأشياء أو بسبب القلق الزائد والهموم الثقيلة التي تسبب تمكّن الوهم لديه ويدمن الشعور بالأشياء السالبة ويستدعيها ويقوم بالتصرف على أساسها فتكون النتجية سالبة.

ومن هنا نستطيع فهم الصياغة المربِكة التي صاغها بعض الرواة للحديث فأخرجوه عن مدلوله وسياقه: “إنَّمَا الشُّؤْمُ في ثَلَاثَةٍ: في الفَرَسِ والمَرْأةِ والدَّارِ “؛ فزاوية نظرك إلى هذه الأشياء البالغة الأهمية في حياة المرء تجعل حياتك سعيدة ميمونة أو تعيسة منحوسة، ولاسيما في حسابات الحياة في ذلك الزمان.

ومن هنا نفهم فلسفة التغيير الذاتي والمجتمعي: ( إن الله لا يغير الله ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم)، فقرار التغيير ذاتيّ نفسيّ في الأساس !

ومن هنا نفهم ضرورة بناء التخطيط الاستراتيجي على الإيمان بإمكانية اختراق الواقع السالب وعدم الاستسلام لقوة تمكّنه، وأن هذا الإيمان سياق لا ينفصل عن التخطيط المادي.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك رد

إغلاق