مقالات رأي
أخر الأخبار

نحن لم نمت بعد

الكاتب| ثائر أبو عياش

كانت أمي تجلس وبجانبها مجموعة من النساء كانت تتمتم وترجو من الله الصبر والسلوان على ما خسرته وفي لحظات أخرى تبوح عما يجول في خاطرها من انها كانت خائفة منذ بداية الانتفاضة الثانية من أن يصاب أو يستشهد أحد أبنائها ولم تكن تتوقع أن يكون الطفل الأصغر لديها “مهدي” هو من وقع عليه الاختيار ليصبح الطفل الشهيد قبل أن يكمل عامه السابع عشر، لم تكن تدرك أن حجر النرد جاء الأصغر ليربح طفلها اللعبة الأكبر.

كان أسبوعا لم تهدأ فيه المواجهات في بلدة بيت أمر، ضابط جديد يختبر قوته وارهابه ويدرب جنوده على الاقتحامات والاعتقالات والمواجهات داخل بلدة بيت أمر وقالها بالنص ” بديش شباب بيت أمر تيجي على المدخل أنا بطلع عليهم” وبالفعل عند السابعة من كل مساء خلال شهر آذار العام 2009 كانت الآليات العسكرية تتمركز في وسط بلدة بيت أمر وبعد دقائق قليلة تبدأ الاشتباكات بين كر وفر وإصابات واعتقالات واقتحامات للبيوت تصل حتى الساعة الثانية فجراً.

كانت الساعة الثامنة إلا ربع من مساء يوم الأربعاء الموافق 4/3/2009 ولم يكن قد مر على الاشتباكات إلا ساعة واحدة حين وجدت أخي “مهدي” بجانبي يتابع الاحداث بدقة ولم يخطر في ذهني آنذاك إلا أن أقول له عليك العودة إلى البيت ولكن ترددت، ففي حال سألني لماذا؟ أو لماذا لا تعود أنت إلى البيت فإنني لن أعثر على إجابة.

كان الشبان يلقون الحجارة و جاء إلي أحد الأصدقاء وقال لي : ” الجيش مسوي كمين تاركين الجبات فاضية وهم في محل ثاني ”  وفعلا هذا ما حدث ، عبر كمين محكم بينما كنا واقفين نتابع ما يجري استطاع الاحتلال اعتقال اثنين من الشبان ، بعد اعتقال الشبان و هروب من تبقى وقفنا نسترق النظر على جنود الاحتلال كيف قاموا بسحب الشبان و الاعتداء عليهم ، و في تلك الأثناء بدأ الاحتلال بإطلاق الرصاص بأسلحة كاتمة  للصوت و هناك بجانبي سقط شخص فيما كان يصرخ متألماً منادياً أمه وعندما نظرت إليه رأيت على كنزته عدد  ” 1984 ”  في تلك اللحظات ادركت انه شقيقي مهدي ، لونها ، الرقم ، طولها ، عرضها ، كل شيءٍ كان يقول مهدي ووقفت عاجزاً عن فعل أي شيءٍ ،  ولا أتذكر حتى الان سوى صورته ملقىً على الأرض مُمَدًّداً يشبه بتلك الجلسة خارطة فلسطين، وحالة صمت يختلط معها الخوف وفجأةً صرخ شاب ” سيارة سيارة شهيد شهيد ..” !!!!

لحظات وانتشر الخبر،  إصابة الطفل “مهدي أبو عياش” في الرأس ، كان أبي متواجداً في المكان مصادفةً ، وبعد نقل مهدي في إحدى السيارات من قبل الشبان طلب الوالد منهم نقل “مهدي” إلى سيارته بسبب تعرض السيارة الأولى لعطل ما ، و لم يكن أبي يعرف من داخل السيارة و قبل نقله وصلت سيارة الإسعاف إلى المكان وقامت بنقل المصاب و قبل انطلاقها كان أبي يعود إلى سيارته للذهاب إلى البيت وعند باب سيارته أخبره أحد الشبان ان المصاب هو “ثائر”، الصدفة تلك الصدفة هي التي منحت هذا الرجل أكبر كذبة صادقة في حياته !

عبر البلدات المجاورة استطاعت سيارة الإسعاف الوصول إلى مشفى الأهلي في مدينة الخليل ولم تتمكن من الخروج من المدخل الرئيسي للبلدة وذلك بسبب اغلاق الاحتلال للمدخل والتهديد باعتقال المصاب، وكان والدي داخل سيارة الإسعاف محاولاً انقاذ ابنه الذي ينزف بشدة، كان الموقف يجسد تلك الكلمات التي قالها أبي يوم استشهاد ابنه ”  ربيته 17 سنة عشان يطخه جندي عنصري حاقد على وطن مش اله”، بعد فحص مهدي في المشفى من قبل الطبيب المختص أبلغ أبي “اذا لم يستشهد من هنا لساعتين فحتماً عند ساعات الصباح الأولى سيكون شهيدا ” لحظتها قال له  والدي ”  ابني رح يعيش و الله هو اللي  بقرر وقتيش يوخذ امانته !”

بعد وصول مهدي بنصف ساعة استطعت أنا وأشقائي وأمي وبعض الأقارب الوصول إلى المشفى وأتذكر بينما كنا على الطريق اتصل أحدنا على أبي مستفسرا عن حال مهدي و حينها اعتقد أبي أن ابناءه الاثنين تعرضوا للإصابة ليصبح الموقف أكثر تعقيداً وصعوبة، وفي اتصال آخر من قبل شقيقي الأكبر أبلغه أن مهدي هو المصاب و أن ثائر بخير!، كان أبي ما زال معتقدا انني انا هو المصاب لأنه لم يكن يستطيع تمييز الوجه لكثرة الدم الذي يغطيه ولأننا نشبه بعضنا كثيرا ، و لأشد ما يشبه المرء نصفه الآخر.

اليوم التالي للإصابة وصلنا قبل الجميع كان مهدي على سرير غرفة العناية المشددة مُمَدًّداً يلتقط أنفاسه بصعوبة واضحة، سمح لنا الممرض المناوب بالدخول وعندما رأته أمي قبلت قدمه ولم تسأل إلا سؤالا واحدا ما يزال بلا إجابة ” شو الي رماك هالرمية يما” !، سؤال ما زال على شاهد نعشه، تعجز كل مبررات العالم عن إجابته.

مكث مهدي بعد هذا اليوم سبعة شهور وسبعة أيام في غيبوبة مستمرة دون حركة دون إشارة، جسدا مُمَدًّداً يعيش بين الموت والحياة، كل يوم، كل دقيقة بل كل ثانية كانت مرعبة ماذا لو كانت هي ثانية الفراق، الموت، الشهادة. كانت تلك اللحظات تمر مثقلةً ولكأن ساعة الزمن تدرك الحقيقة وتخاف البوح بها، أصبح مهدي اليوم والأسبوع والشهر، أصبح الوحدة التي يقاس بها الزمن، وسيصبح قريبا الوحدة التي يقاس بها حجم الوطن، قربه وبعده، وجوده وعدمه، وسيصبح الاداة التي يعرف بها الشمال والجنوب، لقد أصبح بوصلة.  وقريبا أي جدار لا يحمل صورة الشهيد جدار مشبوه، أي صباح لا يبدأ به صباح مشبوه، البدر حتما يشبهه، وأي جملة لا تتحدث عنه لا تتذكره، لا يوجد بين تفاصيلها هي جملة من لغة أخرى أية لغة إلا اللغة الفلسطينية.

وجاء اليوم الذي كنا نخاف مجيئه رغم حتميته جاء دون إنذار مسبق، جاء هذا اليوم ليعيد صياغة العائلة من جديد، هذا اليوم الذي يحمل معه انفجارا مغيرا معالم البيت الى الابد ، يوم يحمل معه مخاوف الأم التي أغرقها خبر استشهاد ابنها في صدمة دائمة تتمثل في اعتقادها أن ابنها ذاك الشبل اليافع المنطلق للحياة الباحث عن الطريق لتحقيق أحلامه سيعود يوما ما ولذلك أطلقت اسم مهدي على حفيدها الأول لربما تعتقد هي بتناسخ الأرواح ، لا أدري إن كان إيمانها هذا ما يدفع الاحتلال الى أن يسوي الأرض بالقتلى مرارا وتكرار كما يوضح الشاعر تميم البرغوثي في قصيدته ” نفسي الفداء “

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك رد

إغلاق