مقالات رأي

عين بوبين: العملية المستحيلة

الكاتب | ياسين عز الدين

حرص الاحتلال منذ عملية السور الواقي عام 2002م على تدمير البنية التحتية للمقاومة في الضفة الغربية، ولم يقتصر مجهوده على تفكيك الخلايا واعتقال واغتيال المقاومين، بل عمل على تجفيف البيئة التي يمكن أن تنمو فيها المقاومة من جديد.

لاحق المؤسسات الخيرية التابعة (بشكل مباشر أو غير مباشر) لفصائل المقاومة، واعتمد على الضربات الوقائية والتي تشمل ما أسماها عمليات “جز العشب” أي استهداف نشطاء الفصائل بشكل دوري ودائم حتى لو لم يكن لهم أي نشاط، من أجل أن لا يعطي لهم المجال لإعادة بناء المقاومة.

كما عمل الاحتلال من خلال منظومة التنسيق الأمني على محاصرة الأموال التي تصل للضفة والرقابة المشددة عليها، بالإضافة لقتل روح المقاومة عند الناس ودفعهم لليأس من أي عمل مقاومة، وأكثر من ذلك الرقابة الشديدة على أي منفذ يمكن أن يصل من خلاله السلاح إلى المقاومين.

فمنعت المواد مزدوجة الاستخدام من دخول الضفة مثل الكبريت الذي يستخدم كسماد ويستخدم أيضًا في صناعة المتفجرات، ووضعت رقابة مشددة على مصانع الأدوية ومواد التنظيف وما شابه بحيث تقوم هذه المصانع بتسليم تقارير شهرية إلى أمن السلطة تحتوي على قوائم بأسماء العاملين الذين يتعاملون مع مواد كيماوية.

ووضعت السلطة رقابة على الفنادق وحاولت أيضًا مراقبة تأجير المنازل، وذلك لمحاصرة تحركات المقاومين المفترضين.

ولاحقت السيارات المشطوبة، فبالإضافة لبعد السلامة العامة، إلا أنها تأتي أيضًا من أجل حرمان المقاومين منها حيث يفضلونها بسبب صعوبة تعقبها.

وفوق كل ذلك هنالك شبكات كاميرات مراقبة يزرعها الاحتلال وأمن السلطة في شوارع الضفة بشكل محكم، وأدوات مختلفة للرقابة على الانترنت ووسائل الاتصالات.

وبهذا الشكل ضمن الاحتلال سنوات من الهدوء النسبي في الضفة الغربية، إلا أن الغليان الشعبي والرغبة القوية بالعودة لخيار المقاومة تفجر في أكثر من مناسبة وكان أقواها في انتفاضة القدس التي أطلقت سلسلة طويلة من العمليات (المستمرة حتى يومنا هذا) إلا أنها بقيت في معظمها عمليات فردية لا تحتاج لإمكانيات كبيرة (عمليات طعن ودهس في معظمها وهذه أدواتها بسيطة ومتوفرة).

وهذا أبقى تأثير المقاومة محدودًا حيث تفتقد الضفة الغربية مقاومة منظمة قادرة على رفع حجم العمليات وحدتها وزيادة نجاعتها مثلما كان الحال في انتفاضة الأقصى، وقد شهدنا في السنوات الأخيرة بضع عمليات إطلاق نار للقسام إلا أنه سرعان ما كان الاحتلال يكتشفها نظرًا للظروف المستحيلة التي خلقها في الضفة.

تأتي عملية التفجير في عين بوبين قبل حوالي الأسبوعين في ظل هذه الظروف المستحيلة، فاستطاع المنفذون الحصول على مواد كيماوية مخترقين الرقابة المحكمة، واستطاعوا امتلاك الخبرات اللازمة لتصنيعها وتحويلها لعبوة ناسفة موجهة عن بعد.

واستطاعوا أيضًا الدخول لمنطقة تحت الرقابة الأمنية الصهيونية حيث كاميرات المراقبة من المستوطنة المقابلة، وزرعوا العبوة واستطاعوا تفجيرها وايقاع الخسائر بالمستوطنين والانسحاب من المكان بسلام.

ورغم مرور هذا الوقت وحملات الاعتقال الواسعة والبحث في كاميرات المراقبة في المنطقة، ما زال الاحتلال عاجزًا حتى هذه اللحظة عن الوصول للمنفذين.

جاءت هذه العملية بعد أيام من عملية الطعن في مستوطنة عصيون والتي أدت لمقتل مستوطن والتي كانت أيضًا نوعية، ومن دراسة تطور العمل المقاوم في الضفة خلال السنوات الأخيرة نجد هنالك تحسنًا دائمًا في نوعية العمليات رغم الانخفاض في عددها، وهذا يدل على أن المقاومة في الضفة بدأت تتكيف مع الواقع المستحيل وأصبحت قادرة على اختراقه.

ما زال أمام المقاومة في الضفة الكثير لتفعله حتى تستطيع كسر هذا الجدار الحديدي الذي بناه الاحتلال خلال الـ 15 عامًا التي تلت انتهاء انتفاضة الأقصى، لكن عملية بوبين أثبتت شيئًا مهمًا وهو أنه حتى المستحيل ممكن القيام به، إن توفرت الإرادة والعقول المنفذة وبتوفيق الله عز وجل.

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك رد

إغلاق