مقالات رأي
أخر الأخبار

أهمية فصل الخطاب الديني عن السياسي

الكاتب| أحمد الزعتري

أثار رأي الشيخ أحمد الريسوني نقاشا قديما جديدا حول موضوع “زيارة القدس” في ظل الاحتلال وجاءت ردود الافعال متفاوتة ومتعددة منها من وافق الشيخ ومنها من عارض ومنها ما رأي غير ذلك، وأول ما يخطر ببال القارئ عند الحديث عن العلاقة بين الخطاب الديني والسياسي هو العلمانية ويبحر بعض القراء في خيالهم الواسع نحو أوروبا ابتداء من الاندلس القديمة مرورا بفرنسا وصولا إلى أمريكيا، وقد يصل البعض إلى التكفير ورفض الفكرة وكل هذا اعتمادا على صورة نمطية ذهنية وقناعات مسبقة تولدت لدى القارئ نتيجة فهم ملبوس أو فكرة مجتزئة أو خلط في الأفكار.

يكثر الحديث هذه الأيام عن فكرة فصل الخطاب الديني عن السياسي كنتيجة للممارسة والأداء السياسي عند الأحزاب والجماعات الإسلامية في العقد الأخير والتي وصلت إلى مواقع مهمة في السلطة ودائرة اتخاذ القرار وأحدث خطابها جدلا واسعا لدى جمهور المتلقين، ففي السابق اعتمد الإسلاميين في تسويق مواقفهم السياسية تجاه الأشياء والأشخاص والأحداث على تدعيمها بالآيات القرانية والآحاديث الشرعية وربطها بكل ما هو مقدس وهذا مما لاشك فيه أنه أعطى لهذه المواقف قوة هائلة وأتباع كثر ومؤمنون مستعدون للتضحية في سبيل هذه القناعات، ولكن مع اقتراب الاسلامين إلى السلطة أكثر فأكثر بدأ الاضطراب يظهر في هذا الخطاب ويضع العراقيل أمام تطور هذه الحركات بل أصبح سببا في تعثرها.

وللتوضيح أكثر فلا بد من سرد الأمثلة التي تسهل الفهم على القارئ كموضوع الديموقراطية أو المشاركة في الانتخابات، فقد تبنت جماعات إسلامية حكما شرعيا يقضي “بتحريم المشاركة في الانتخابات” في فترة ما وعلى أثر هذا الفتوى قاطعت الانتخابات ونظرت بحرمتها بشكل مباشر أو غير مباشر، وبعد سنوات ليست بطويلة قرر بعضا من هذه الجماعات المشاركة في الأنتخابات النيابية وبفتوى مختلفة تماما وهي “بوجوب المشاركة في الإنتخابات” وكان من الشعارات التي كانت ترفع “صوتك أمانة ستسأل عنه يوم القيامة” وقد نظرت لهذه الشعارات بشكل عالي وكبير وقد لاقى مثل هذا الشعار استجابة عالية لكن مع مرور الأيام بدأت تبرز الأسئلة التي شكلت ولا تزال تحديا كبيرا عند منظري هذه الشعارات، مثل إذا كان صوتي أمانة سوف أسأل عنه يوم القيامة فكيف سأنتخب شخصا أنا اقتنع أنه ليس كفاءة ولكن لأن الجماعة أو الحزب قد طلب ذلك، إضافة إلى ذلك كيف كان الحكم الشرعي سابقا يحرم الانتخابات واليوم اصبح الحكم حلالا، هل من يقرر المصلحة العامة للشعب والامة هو حزب معين أو جماعة بذاتها وهل هو من يمتلك الحق أن يقرر أنه الأقدر والأعلم بمصالح الناس دون غيره.

إن هذه الأسئلة وغيرها العديد من الأسئلة أصبحت تواجهة أصحاب الخطاب السياسي المستند للأيديولوجيا والدين، بل إن فشل الإسلامين في بعض المواقف السياسية قد حول هذا الخطاب إلى أداة عكسية عند بعض أتباع هذه الجماعات من خلال تراجع المؤيدين لهذا النهج وبعضهم وإن كان قيل قد تخلى عن هذا الطريق.

إن مخاطر ربط الخطاب السياسي بالخطاب الديني تنبع من نقاط هامة:

– إن العمل السياسي والموقف السياسي بطبيعته عمل متغير ومتقلب دائم التحريك والتبديل يعتمد على الموازانات بين الخيارات الأقل سوءا أو اكثر خيرا وأما المدلول الديني وخصوصا الذي يستند إلى نص قراني صريح فهو ثابت الدلالة يعتمد على حكم واضح حلال أم حرام، وبالتالي فإن ربط الموقف السياسي المتحرك المتغير المبني على تغير المصلحة بتغير الظروف الموضوعية أو الذاتية بالآيات القرآنية أو الأحاديث القدسية واضحة الدلالة يخيل للمتلقي وكأن هذا الموقف هو أمر إلهي أو واجب شرعي ، ثم بعد فترة من الزمن يتغير التقدير السياسي وبناء عليه يتغير الموقف السياسي وهنا فإن هذا التغير قد يحدث ضررا واساءة للإنسان العادي تجاه تلك الآية أو ذاك الحديث أو ردة فعل عامة تجاه الأحكام الشرعية والتوجيهات الدينية – فكيف كانت هذه المسألة بالأمس حرام واليوم أصبحت حلال والعكس صحيح.

– العمل السياسي هو مجال علم وتخصص مثل الاقتصاد أو الهندسة أو الإعلام وغيرها مطلوب من المسلم تجاه هذه العلوم أن يعود للأصول الشرعية ومعرفة الخطوط العامة للحلال والحرام، فمثلا في مجال الاقتصاد القاعدة العامة ” وأحل الله البيع وحرم الربا” ثم أمر بالاتقان في العمل ونهى عن الغش والغبن، وترك الاختيار بين اصناف التجارة للإنسان هو يقدر أي الأصناف أفضل فهل يبيع التمر أم الذهب أم القماش أم غيرها وكذا هي السياسة فهناك العديد من الايات التي وضحت وقعدت الأصول السياسية وأما التفاصيل فتركت لاجتهاد المسلم.

– الخطاب الديني جاء ليضع مبادىء عامة وقواعد ناظمة للحياة ويعزز القيم والأخلاق التي كانت أصلا في المجتمعات لتضبط إيقاع المجتمع من خلال بناء منظمومة رقابة داخلية ووازع ديني يضبط سلوك الإنسان ليحقق أمرين: الأول هو عبادة رب العالمين وهذا يبقى بين العبد وربه، والثاني هو علاقة الإنسان بالإنسان الآخر وهنا ترك للإنسان المجال للاجتهاد لوضع نظام الحياة الذي يناسبه وفق الضوابط الشرعية العامة، فمثلا صناعة السيارات والطائرات جاء بها الغرب فهل الإسلام يحرم علينا أن نستعمل أدوات صنعها من هو ليس بمسلم: بالتأكيد لا، وكذا الحال هو في السياسية فالنظام السياسي هم منتج غربي نستطيع ان نستفيد منه وناخذ منه ما يناسب ديننا ومجتمعاتنا وقيمنا، ومن المقاتل الفكرية التي تبنتها كثير من الحركات الإسلامية إنها أخذت البضاعة من الغرب ولم تاخذ آلة الإنتاج وهنا أقصد النظم السياسية واعتبرته نظاما مخالفا للاسلام وللاسف أخذت معظم المنتجات وتركت الآلة.

– لقد بنى الإسلامين موقفا معاديا تماما من النظم السياسية التي انتجها الغرب بناء على مواقف المنظرين للثقافة والتجربة الغربية من العرب والمستشرقين الذين جاؤوا إلينا فقط بملف الحريات الشخصية والاختلاط والانفتاح بين الرجل والمرأة ولم يحضروا لنا النظم والأدوات التي تنظم المجتمع وتبني لنا نظاما سياسيا مبني على التوافق والتشارك والمسؤولية والرقابة والمحاسبة والكفاءة والتبادلية وكل ما يمكن أن يبني مجتمعا ووطنا متحضرا، بل ما رسوا أسوء أنماط التسلط والقهر والدكتاتورية باسم التقدم ضد الرجعية أو الحرية ضد الانغلاق.

وختاما: إن الإسلام دين عظيم شمولي ومن المغالطات التي يقع بها بعض الدعاة أنه يظن كون الإسلام دين شامل فان بإمكانه أن يكون إعلاميا أو سياسيا أو اقتصاديا أو قانونيا أو فنانا مخضرما أو غير من ذلك من العلوم التي هي بحاجة إلى تخصص، وبالتالي فإن النظرة للأشياء والأحداث المتغيرة وخصوصا المواقف السياسية وربطها بالدين بصورة خاطئة وعدم إظهار الفاصل بينهما وعدم إظهار المساحة بين موقف الدين والمصلحة السياسية سيلحق ضررا ومسا بهيبة الفتوى والحكم الشرعي وإن الحرص على هيبة الدين وتعظيم شعائر الله يقتضي الفهم السليم والعميق لمراد رب العالمين وتأطير هذا الفهم في قواعد وضوابط عامة وأن يترك للإنسان الاجتهاد السياسي والخطاب السياسي ضمن هذه الأصول.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك رد

إغلاق