مقالات رأي
أخر الأخبار

سيد قطب الراديكالي

الكاتب| ياسين عز الدين

تجدد النقاش في الذكرى السنوية لاستشهاد سيد قطب حول اتهامه بالمساهمة في انتشار الفكر التكفيري والجماعات المتطرفة مثل القاعدة وداعش.

ويتمحور الاتهام حول كتابه “معالم في الطريق” ومفاهيم مثل “الجاهلية الحديثة” و”الاستعلاء بالإيمان” و”المفاصلة مع الأنظمة الوضعية”.

قرأت كتاب المعالم في بداية حياتي (كان عمري عشرين عامًا أو أقل) ولم أفهم منه تكفير المجتمع ولا معاداته ولا كراهيته..

اختلف اليوم مع مفهوم الاستعلاء في ناحية واتفق معه في ناحية أخرى؛ فنظرتي للعقائد والأيدولوجيات الأخرى يحكمها الإيمان بتفوق عقيدتي الإسلامية “إن الدين عند الله الإسلام”، لكن لا أعادي الآخرين لمجرد انتمائهم الفكري، أسعى لهدايتهم واقناعهم بما لدي لكن لا أحاكمهم “لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم”، و”لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي”. فالاستعلاء هو على العقائد لا الأشخاص، والاستعلاء على الجاهلية وليس من وقعوا فيها، فمجتمعاتنا الإسلامية المعاصرة لديها القابلية للإصلاح والهداية وما يحتاجه أكثر الناس هو التوعية والتوجيه، وليس الحرب والإكراه.

هنالك ممارسات جاهلية في مجتمعاتنا اليوم وأنظمة ترسخها وتخدم مصالح الاستعمار وليس الشعوب، وهذه يتفق فيها سيد قطب مع الإخوان المسلمين وغيرهم، إذًا أين الفارق الذي يمثله سيد قطب؟ سيد قطب كان راديكاليًا (جذريًا) بينما يميل الإخوان المسلمين بالعموم إلى الإصلاح ويفضلون التدرج للوصول إلى أهدافهم.

ما الفرق بين الراديكالية والإصلاحية؟ في أي جماعة أو تيار سياسي سنجد دومًا أشخاصًا يريدون تغييرًا سريعًا وجذريًا ينهي كل ما هو قديم ويؤسس لمرحلة جديدة، ويطلق عليهم راديكاليون (ومعناها جذريون أي يريدون معالجة المشكلة من جذورها) ويمكن تسميتهم أيضًا بالثوريين، وآخرون يميلون إلى إصلاح ما هو موجود بشكل متدرج وهادئ وسنطلق عليهم مسمى الإصلاحيون (أو المعتدلون).

هذه ظاهرة موجودة في كل المجتمعات والعقائد والتيارات، بل حتى نجدها في عالم الصناعة فنجد الثورة الصناعية وثورة الاتصالات وهي تغيرات راديكالية أثرت على حياتنا وإن كانت بعيدة (نسبيًا) عن السياسة.

الإنسان بطبيعته يقاوم التغيير ويرفضه، وتغيير الأخطاء الموجودة في مجتمعاتنا (الجاهلية كما وصفها سيد قطب) يحتاج إلى وقت طويل وجهد كبير، وفي المقابل من يقتنع بضرورة التغيير يريد أن يحصل بسرعة، بعضهم يؤمن بضرورة التدرج أما الراديكاليون أمثال قطب لا يريدون الانتظار، ويخشون تحول التدرج إلى تأقلم مع الواقع (وقد حذر من ذلك أيضًا فتحي يكن وغيره).

والرسل عليهم الصلاة والسلام في جانب من دعوتهم راديكاليون أرادوا القطيعة مع القديم. استطاع فكر سيد قطب التعايش بسهولة مع الإخوان المسلمين فهدف التغيير واحد، والمرجعية الإسلامية واحدة، والاختلاف كان بالوسيلة هل نغير مرة واحدة أم بالتدريج، وهذا كان اختلافًا مقبولًا داخل الجماعة.

الراديكالية تصادم الطبيعة البشرية الرافضة للتغيير “ما سمعنا بهذا في آبائنا الأولين” و”إنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم مقتدون”، لذا لا مناص من بعض التدرج المدروس حتى نصل إلى هذه النتيجة.

إلا أن تجارب التاريخ علمتنا أن بعض الفئات الراديكالية تغالي في مطالبها وتستعجل الحصاد، وعندما تصطدم بالواقع يتحول استعجالها إلى غضب وعنف ومزيد من الراديكالية، وأحيانًا يتحول عداؤها إلى العناصر الأكثر اعتدالًا داخل التيار نفسه.

على سبيل المثال بعد انتصار الثورة الفرنسية انقسم الثوار إلى جانحين: جناح معتدل يريد إصلاح النظام الملكي والتغيير التدريجي، وآخر راديكالي يريد القضاء على الملكية والإقطاع والكنيسة مرة واحدة، كانت الغلبة للجناح الراديكالي وأعدم الملك والأقطاعيون، ثم تحول العداء إلى المعتدلين.

أعدمت الثورة الفرنسية الآلاف الكثير منهم كانوا من الثوار المعتدلين الذين اتهموا بخيانة الثورة فقط لأنهم فضلوا التدرج، وكان الذي يقود الجناح الراديكالي خطيب الثورة المفوه ماكسميليان روبسبير، وكانت من أفكاره الراديكالية استبدال الديانة المسيحية بما أسماه “ديانة العقل”، ولشدة خوف خصومه منه نصبوا له كمينًا وحاكموه بشكل سريع وأعدموه حتى يتوقف سيل الإعدامات التي خرجت عن السيطرة.

ومثال آخر الثورة الروسية ففي المرحلة الأولى أطيح بالقيصر وجاءت حكومة انتقالية، وبعد أشهر نظم الشيوعيون الذين شكلوا الجناح الراديكالي الثوري، انقلابًا عرف باسم “ثورة أكتوبر” أطاحوا بالحكومة وشركاء الثورة من المعتدلين، وأعدموا القيصر وغرقت روسيا بعدها في حرب أهلية انتهت بفوز الشيوعيين (الجناح الراديكالي).

التوجه نحو الحلول الراديكالية الجذرية هي مسار طبيعي في التيارات السياسية، وكلما واجهت عملية التغيير صعوبات سيتوجه البعض إلى حلول أكثر راديكالية وصولًا لاستخدام العنف، لذا فتطور الجماعات الإسلامية الراديكالية كان مسارًا طبيعيًا ومتوقعًا، في ظل تمترس النظام العربي القديم في موقعه والهيمنة الأمريكية القاتلة.

وهكذا ظهرت بعض الحركات الجهادية من تحت عباءة الإخوان المسلمين مثلما حصل في أحداث حماة بسوريا بداية الثمانينات، ثم جاءت الجماعة الإسلامية في الجزائر وبعدها تنظيم القاعدة لتمثل شكلًا أكثر راديكالية ومثل الكثير من النماذج المشابهة لم يكتفوا بمعاداة الأنظمة بل عادوا الإسلاميين الأكثر اعتدالًا، ثم جاءت داعش لتمثل ذروة التطرف في الراديكالية، ولم تقتصر راديكالية داعش على دمويتها بل أيضًا في طموحاتها فأعلنت الخلافة الإسلامية وإصدار عملة لها.

وعليه فدخول بعض الإسلاميين مسارات مغالية في راديكالتيها وعنفها لا علاقة له بفكر سيد قطب بقدر ما هو تطور طبيعي يحصل داخل أي تيار فكري سياسي يسعى إلى التغيير، وبما أنهم يفتقرون إلى المنظرين والمفكرين، فلجأوا إلى نصوصٍ يمكن تطويعها بما يلائمهم. ومثلما ذكرنا فالكثيرين قرأوا لسيد قطب لكن لم يصلوا إلى هذه الأماكن وذلك لأن راديكالية سيد قطب كانت منضبطة، أراد التغيير الجذري لكن ليس بأي ثمن كما لم يعادي الأجنحة الأكثر اعتدالًا من بين الإسلاميين، وأجزم أنه بدون قطب كانت ستظهر هذه الجماعات وستبحث عن مرجعية أخرى تتكئ عليه.

وإذا أردنا القضاء على ظاهرة التكفير والسلوك المدمر للذات التي تمثله داعش، فهذا يحتاج لنموذج ناجح في التغيير ويحتاج أيضًا إلى راديكالية منضبطة وهذا يعني أن يراجع الإخوان المسلمين منهجهم الإصلاحي التدريجي وأن يقتربوا أكثر من المنهج الثوري خاصةً أن المنطقة العربية تمر في مرحلة تغيرات سريعة لن يستطيع التدرج مواكبته ولا تلبية طموحات الشعوب (وخاصة فئة الشباب)، وبدون ذلك ستبقى الجماعات التكفيرية تملأ الفراغ الذي غاب عنه الإخوان.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك رد

إغلاق