مقالات رأي
أخر الأخبار

الحراك الفلسطينيّ في مخيّمات لبنان: نحو رؤية وطنيّة تقدمية شاملة

الكاتب| محمد الخطيب

تدخل انتفاضةُ المخيّمات الفلسطينيّة في لبنان أسبوعَها الثالث. الاحتجاجات مستمرّة، وحالةُ غضبٍ عارمةٌ تعمّ المخيّماتِ وتصل إلى المدن اللبنانيّة المركزيّة، من الشمال إلى الجنوب. شعبُنا، وبخاصّةٍ المرأةُ والشباب، أَثبت القدرةَ على العمل والتنظيم في اللحظة التي شعرَ فيها أنّ حقوقَه، بل قضيّتَه الوطنيّة برمّتها، تواجه خطرَ التصفية على عدّة مستويات – – من هويّة اللجوء، إلى كرامة العيش في اللجوء، وانتهاءً بحقّ العودة.
 
شكّلتْ لحظةُ انفجار التجمّعات الشعبيّة الفلسطينيّة، هذه، فرصةً للتعبير عمّا يعانيه شعبُنا منذ عشرات السنوات، جرّاء الظلم والتهميش والقوانين العنصريّة. وأعادت الاعتبارَ إلى المبادرات الإبداعيّة في الاحتجاج والعصيان. بل استطاع هذا الحراكُ أنْ يوحِّد المخيّمات خلال أيّام معدودة – – وهو ما لم تستطع برامجُ “المجتمع المدنيّ” والفصائلُ أن تفعله طوال عشرات السنين.
 
 
في 21/7/2019، أيْ في اليوم السابع على الحراك، بادرتْ خمسةُ مراكز ثقافيّة ومجموعات شبابيّة في مخيّمات لبنان إلى إصدار بيان مهمٍّ تفصّل فيه أسبابَ الأحداث. لكنّ أهمّ ما جاء في البيان أنّه حدّد مطالبَ مركزيّةً للحراك، وهي:
 
– أنْ تُصدر الدولةُ اللبنانيّةُ قانونًا يعرِّف اللاجئين الفلسطينيّين في لبنان تعريفًا واضحًا لا لبس فيه، يَضمن لهم حقوقَهم المدنيّةَ والاقتصاديّةَ والاجتماعيّةَ والعيشَ بكرامة.
 
– تعديل القانون 129، الصادر سنة 2010 لناحية إلغاء إجازة العمل، ومنح اللاجئين الفلسطينيّين الحقّ في مزاولة المِهن الحرّة، وإصدار المراسيم التطبيقيّة اللازمة.
 
– تعديل قوانين تنظيم المِهن الحرّة بما ينسجم مع قانون العمل لناحية استكمال إلغاء شرط “المعاملة بالمثل.”
 
 
– وقف التمييز المركّب ضدّ اللاجئين الفلسطينيّين، وإصدار تعديل قانونيّ يسمح لهم بتملّك العقارات.
 
تحديدُ هذه المطالب، وصياغتُها بلغةٍ واضحة، أسهما في انتقال الحراك من مرحلة الاحتجاج ضدّ “قرار الوزير” إلى وعي عامٍّ وجامع يطالب – بصوت واحد – بكافّة الحقوق الاجتماعيّة والمدنيّة.
 
في مواجهة اليمين اللبنانيّ والخطاب الطائفيّ
 
يعمل اليمينُ اللبنانيّ على خلق صورة نمطيّة عن الشعب الفلسطينيّ في لبنان تهدف إلى شيطنته ووضعِه على لائحة “الغرباء.” ويأتي ذلك ضمن حملات إعلاميّة و”قانونيّة” وأمنيّة، تتصاعد وتيرتُها في خدمة التنافس السياسيّ داخل التيّار اليمينيّ الواحد (التيّار الوطنيّ الحرّ والقوّات اللبنانيّة) للوصول إلى جمهور الطائفة وكرسيّ رئاسة الجمهوريّة. وقد بلغ التنافسُ الإعلاميّ حدَّ استعادة خطاب الحرب الأهليّة، والمطالبة بعودة “المكتب الثاني” (الاستخبارات اللبنانيّة) إلى المخيّمات، وبحرق الفلسطينيّين بالأفران على غرار أفران النازيين.[1] عنصريّة مرعبة، تتوهّم التميّز الحضاريّ والعراقة “الفينيقيّة.”
 
لكنْ، على الرغم من تعامل اليمين اللبنانيّ مع الفلسطينيّ على أنّه “فزّاعةٌ” أمنيّة، فقد أثبتَ شعبُنا في لبنان خلال الحَراك مدى تضامنه مع الشعب اللبنانيّ، وأبرز التزامًا جدّيًّا بالحفاظ على سلميّة الانتفاضة وتوجيهِ الحَراك بشكل تقدّميّ ووطنيّ، تُرجم في خطاب يؤكِّد حقَّ العودة ورفض التوطين.
 
انتفاضة المخيّمات توحّد الفلسطينيين
 
خلال الأسابيع الأولى لانتفاضة المخيّمات الفلسطينيّة في لبنان، عبّرتْ جماهيرُ شعبنا في الوطن المحتلّ والشتات عن تضامنها مع هذه الانتفاضة.
 
ففي غزّة، في أيّام الحَراك الأولى في مخيّمات لبنان، دعت “اللجنةُ الوطنيّة لمسيرات العودة وكسر الحصار” إلى “جمعة لاجئي لبنان،” وقدّم أهلُ غزّة الشهيد الشاب أحمد القرّا (23 عامًا) ومعه عشرات الحرجى.
 
 
أمّا في الضفّة الغربيّة المحتلّة، فقد نظّمت الحركةُ الطلّابيّة، وصوت طلبة فلسطين، تظاهرةً جابت شوارعَ مدينة رام الله.
 
وأمّا في مدينة القدس، التي يواجه أهلُها أشرسَ سياسات التصفية والتهويد، فقد دعت مجموعةٌ شبابيّة إلى تظاهرة ضدّ سياسة هدم البيوت، وتضامنًا مع مخيّمات لبنان، فاعتقلتْ شرطةُ الاحتلال ثلاثة طلّاب.
 
وفي الشتات الفلسطينيّ، تظاهر الفلسطينيّون أمام السفارات اللبنانيّة، ونُظّم العديدُ من الاعتصامات والتحرّكات في لندن وبرلين وبروكسل ونيويورك.
 
باختصار، انتفاضة المخيّمات شكّلتْ نموذجًا عمليًّا لوحدة الفلسطينيين في كلّ مكان. لكنْ، للأسف، هذا يكاد لا ينطبق على فلسطين المحتلّة عام 48. يستطيع أهلُنا هناك التضامنَ مع الحراك في لبنان بالشكل الذي يروْنه مناسبًا – – أكان ذلك عبر اعتصامٍ في حيفا، أمْ عبر تظاهرةٍ على الحدود مع جنوب لبنان، أمْ غير ذلك. لكنْ يحقّ لنا أنْ نعرف لماذا امتنع رئيسُ “القائمة المشتركة” أو “لجنة المتابعة العليا” عن إصدار موقف يحمّل الكيانَ الصهيونيّ مسؤوليّة معاناة الفلسطينيّين في لبنان ويطالب بعودتهم؟ ألا يتطلّب ذلك من القوى التي ترفض الانخراطَ في كنيست العدوّ أنْ تعزّز نضالَها، بما في ذلك التواصل مع المخيّمات في كلّ مكان؟
 
الوحدة اللبنانيّة – الفلسطينيّة
 
يشكّل حراكُ المخيّمات فرصةً تاريخيّةً لوحدة الحركة الوطنيّة الفلسطينيّة واللبنانيّة في وجه الخطاب الطائفيّ والعنصريّ، وفي نضالها من أجل العدالة الاجتماعيّة، والتصدّي للعدوّ الصهيونيّ. فالوحدة المنشودة لا تُنجَزُ في قصور الثقافة، بل بالعمل على الأرض، وبالتواصلِ الدائمِ مع شرائح المجتمع الواسعة، اللبنانيّةِ والفلسطينيّة، وبتقديم خطاب وطنيّ عروبيّ عابر للطوائف والمذاهب.
 
حتّى هذه اللحظة، استطاع الحراكُ صونَ اللحمة بين الشعبين. وشكّلت التظاهرةُ المَهيبةُ في مدينة صيدا أكبَر دليلٍ على ذلك، إذ شارك الآلافُ منهما، وهتفوا بصوتٍ واحدٍ ضدّ سياسة الوزير أبو سليمان العنصريّة، ومن أجل حقِّ العودة، ورفضِ التوطين، ومنحِ الفلسطينيين في لبنان كاملَ حقوقهم. هذه التظاهرة استعادت مشاهدَ جميلةً مزروعةً في وعي الشعبين: الوحدة الوطنيّة اللبنانيّة – الفلسطينيّة، وصيدا الشهيد معروف سعد، والحركة الوطنيّة اللبنانيّة المقاومة،… على عكس المشاهد القاتمة التي يعمل الإعلامُ العنصريُّ في لبنان على استرجاعها.
 
الفصائل الفلسطينيّة وأزمةُ القيادة
 
غير أنّ حَراكَ المخيّمات في لبنان كَشف، أيضَا، بعضَ المشاكلَ التي تعانيها الحركةُ الوطنيّة الفلسطينيّة: من تفرّدٍ، وتكلّسٍ، وغيرِ ذلك. والأهمّ أنه ظهّر أزمةَ القيادة.
 
فعندما أصدرت الرئاسةُ الفلسطينيّةُ تصريحًا[2] عبّرتْ فيه عن حقّ الحكومة اللبنانيّة في تنفيذ قراراتها، وطالبت الفلسطينيّين بإنهاء الاحتجاجات، فإنّها وضعتْ نفسَها في الموقع النقيض لخيار شعبنا. سلطة أوسلو لم تكتفِ بالتنازل عن حقوقنا في فلسطين لحساب الكيان الصهيونيّ، بل تريدُنا اليومَ التخلّي عن أبسط حقوقنا الإنسانيّة في لبنان!
 
 
خلال جلسة حوار في الاعتصام الليليّ عند مدخل مخيّم عين الحلوة، بُثّتْ مباشرةً عبر صفحات التواصل الاجتماعيّ، حصل نقاشٌ قيّمٌ عن خطوات الحَراك القادمة. كان أحدُ الاسئلة عن رفع أعلام الفصائل في التظاهرات، بدلًا من الالتزام برفع العلم الفلسطينيّ فقط. فعلّق أحدُ شباب المخيّم قائلًا: “أنا على استعداد لرفع علم أيّ فصيلٍ فلسطينيّ إذا وقف إلى جانب الحراك وساهم في استعادة حقوق الناس المسلوبة.” هذا الموقف في الحقيقة، وباختصار، هو موقف الشعب الفلسطينيّ. إنّ جماهيرَ شعبنا، التي تضحّي وتناضل منذ عشرات السنين، تعلّمتْ من التجربة أنْ تقف في صفِّ مَن يقاوم ومَن يدافع عن حقوقها ويحفظ كرامتها.
 
ماذا يقول الحراكُ اليوم للفصائل الفلسطينيّة؟ مَن يسمع صرخاتِ الآلاف الغاضبة وهي تهتف “وين القيادة وين؟” شعبُنا اليوم في لبنان يتوق إلى قيادةٍ تكون من رحم الشعب. وربّما سيجدها في جيلٍ جديد، مبدع، متمرّد، يشارك في استمرار الحَراك، ويقف على نقيض نهج الانقسام والمساومة والكسل والتراخي.
 
العدوّ والأنظمة والحراك
 
لم يُصدر الكيانُ الصهيونيّ موقفًا من الحَراك في لبنان. لكنّ هذا لا يعني أنّه لا يراقب الأحداثَ بدقّة وقلق. فهو أوّلُ المتضرِّرين من تحصيل الفلسطينيّ حقوقَه المدنيّة في لبنان، ومن ربط انتفاضة مخيّمات لبنان بنضال الشعب الفلسطينيّ في كلّ مكان من أجل حقّ العودة وتقرير المصير. يريد لنا العدوُّ الصهيونيّ أن نعيش في جزرٍ معزولة، وهو يجترّ كلَّ القوانين العنصريّة التي تُمكّنه من فرض حالة الحصار على شعبنا. لهذا فإنّ عدمَ حصر الحراك الشعبيّ الفلسطينيّ في لبنان في الجانب الحقوقيّ، على أهميّته، يُسهم في كسر حالة العزلة، ويشكّل أداةً جديدةً للمقاومة ولتدعيم وحدة الشعب الفلسطينيّ.
 
ثمّ إنّ الحَراك الوطنيّ، بشكلٍ عامّ، مساحةٌ خصبةٌ لتدريب الناس على التمرّد والثورة من أجل استعادة حقوقهم. وهذا يخيف الأنظمةَ العربيّةَ أيضًا؛ ولا شكّ في أنّ هناك اليوم أجهزةً أمنيّةً عربيّةً تتابع مجرياتِ الحراك في شاتيلا والبرج الشماليّ والبصّ، وعينُها على المخيّمات في أقطار عربيّة أخرى!
 
أفقُ الحَراك
 
تقول الكاتبة الفلسطينيّة إسلام الخطيب:
 
“… إنّ فعاليّة واستمراريّة هذه التحرّكات جديدتان نسبيًّا. ففي حراك 2015، ضدّ تقليصات الأونروا، بدأت الدعواتُ من المجموعات المستقلّة. غير أنّ الفصائلَ الفلسطينيّة نجحتْ في احتوائها، لتنتهي بعد 10 أيّام من التظاهر المتواصل. أمّا اليوم، فلا تزال التحرّكاتُ مستمرّةً، بالرغم من محاولات الاحتواء المتواصلة بأشكالٍ وأطرٍ مختلفةٍ؛ سواءً عبر ركوب سفارة السلطة الفلسطينيّة في بيروت موجةَ الحراك الأخير – على الرغم من أنّ السلطة نفسَها طلبتْ من الفلسطينيّين التروّي – أو عبر دعوة الفلسطينيّين والفلسطينيّات إلى عدم التحرّك خارج حدود المخيّمات، أو من خلال تخفيض سقف الخطابات الفلسطينيّة المحليّة، التي شملتْ مطالبها منحَ الفلسطينيّين كاملَ حقوقهم المدنيّة والاقتصاديّة ومطالبةَ السلطات اللبنانية بوضع تعريفٍ قانونيٍّ واضحٍ للاجئين الفلسطينيّين في لبنان.”[3]
إنّ مآلات هذ الحراك ينبغي أن ترتبط دائمًا بالهدف الثابت والمركزيّ، وهو استعادةُ شعبنا الفلسطينيّ في لبنان دورَه في الحركة الوطنيّة الفلسطينيّة. وهذا لا يمكن أنْ يتحقّق إنْ لم يستعدِ الفلسطينيُّ في لبنان حقوقَه المدنيّةَ الكاملة، ويُعامَلْ بكرامة، لكيْ يتمكّنَ من العمل على حراكٍ يحمل قضيّةَ اللاجئين الفلسطينيّن بشكل دائم؛ حراكٍ ينطلق من لبنان إلى التجمّعات الفلسطينيّة في البلاد العربيّة ويصل إلى كلّ الفلسطينيّين في العالم. كما ينبغي لهذا الحَراك أنْ يعيد الاعتبارَ إلى مركزيّة “حقّ العودة” في القضيّة لتكون على سلّم أولويّات الحركة الوطنيّة الفلسطينيّة.
وباختصار، فإنّ حَراك الفلسطينيّين في لبنان فرصة تاريخيّة لإنتاج قياداتٍ جديدة، يتصدّرها الشبابُ والشابّاتُ ولجانُ الأحياء، ولاستعادة التلاحم اللبنانيّ – الفلسطينيّ العريق، ولتعزيز دور الشتات، ولتنميةِ أواصر التضامن الأمميّ، ولتسليط الضوء على معاناة الفلسطينيين في أماكن أخرى في العالم.
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك رد

إغلاق