مقالات رأي

بيان وياسمين ثنائية التضحية والإيثار

الكاتبة | إسراء لافي

ليس الحديث في هذا المقام عن التجربة بل عن شموس أضاءت لنا أيام الاعتقال الطويلة، وأسرجت لنا ليالينا، وسطرت ذكرياتنا بجمال التضحية والفداء، وما قدمنه على مذبح الحرية بطيب خاطر، ونقاء قلب، عن اعتقال عرفنا فيهن فيه همة كبيرة لهموم عظيمة وأعباء جسام؛ عن بيان فرعون وياسمين شعبان، في سطور ممهورة بحب صادق، ودعوة خالصة، ووفاء لن ينقطع بإذن الله.

عرفت بيان فرعون ممثلة الأسيرات الفلسطينيات في سجن الدامون، والمحكومة 40 شهرًا، من العيزرية في ضواحي القدس المحتلة، وطالبة في عامها الأخير في جامعة القدس المفتوحة، والمخطوبة للأسير أحمد عزام والذي يقضي حكمًا بالسجن 5 سنوات، إنسانة لا تفارق الضحكة مبسمها، تداري الشوق والحنين لوالدها الذي فقد بصره في صغرها، والوجد لوالدة توفاها الله خلال دراستها الثانوية العامة قبل سبع سنوات، فيها طفولة بريئة، وتلقائية تناسبها؛ في الفرح والحزن، في الرضى والغضب، تتعلم بالحب والمدارة وبعض الحزم، تعتذر وتراجع ذاتها كلما قُدمت لها نصيحة، تجدد النية في كل يوم احتسابًا لما تلاقيه ولما لا تستطيع قطعه في برنامجها اليومي.

عرفت في بيان كرمًا وطيب خاطر، قلبًا يدب على الأرض، تخفي الدمع كلما استبد بها الشوق إلى والدتها تعبر عنه ببر مكتوم، تحب من يأخذ بيدها إلى الخير، تودع كل أسيرة برسالة خاصة بقلم ووجدان “بيان”، كما تستقبل كل أسيرة بأطياف من الحب والاهتمام والرعاية، ذكاؤها الاجتماعي العالي وإنسانيتها العالية؛ تجعلانها في قلب الحياة الاعتقالية انخراطًا ومتابعة.

في كل يوم لديها برنامج عمل مزدحم يبدأ مع ساعة الرياضة الساعة 07:00 صباحًا، بين تفقد لأحوال الأسيرات ومتابعة احتياجاتهن واحتياجات القسم مع إدارة السجن، وما يتخلل ذلك من ضغط وإرهاق، ولطالما قلت لها: “أتمنى رؤيتك تنهين فنجان قهوة أو شاي دون أن يبرد”! وينتهي يومها في حدود الساعة 07:00 مساء.

وبالرغم من أعبائها كانت تضم يدها إلى أيدينا في القيام بشؤون الغرفة من تنظيف وطبخ، وبحب تقوم مثلًا بتنظيف كل وجبة “الدجاج” المقدمة للقسم كهدية أحيانًا، وتشارك في تنظيف ساحة القسم يدًا بيد، تضفي دومًا على الأجواء شيئًا من المرح، بتواضع جم، وقدرة على إسعاد الأسيرات.

بيان كانت ترفض الاستئثار بالعلاج إن لم يتوفر لأسيرات يشاركنها ذات المشكلة، وتقدمهن على نفسها، راضية بتأخر العلاج عنها، ولا ترضى بتأخره عن أخواتها، إيثار يلفت الانتباه حتى فيما يمكن أن توفره للغرفة، تبقى الأولوية في ذهنها للجميع، حريصة على عدم حصولها على أي امتياز لها أو لغرفتها تحت أي ذريعة مهما كان السبب.

فوق كل ذلك تتمتع بيان بشخصية استثنائية، فهي متعددة المواهب والمهارات، تملك صوتًا فذًا في الإنشاد، ومهارة في “الحجامة” والتي مارستها في المعتقل أيضًا، ولديها قدرة على التقليد والفن الساخر، ومهارة في الطبخ أيضًا تناسب ظروف التكيف مع السجن وأحواله.

الوجه الآخر لقيادة مركب الأسيرات ياسمين شعبان نائبة بيان، وهي الممثلة السابقة للأسيرات، وأقدمهن حاليًا إذ أمضت أربع سنوات و9 أشهر، أنهت الثانوية العامة في المعتقل، متزوجة من حازم شعبان، من الجلمة بجنين، ولها 4 أبناء، وهي شخصية فذة، أكسبتها التجربة الكثير، بل هي شخصية فريدة فيما تخللته رحلة اعتقالها من مواكبة لتطورات اعتقال النساء، فقد كانت الأسيرة رقم 14 عندما اعتقلت عام 2014، وواكبت كل حالات الأسيرات الجريحات، كما واكبت تغير أحوال المعتقل في كل مرحلة انقلبت فيها الموازين بين زيادة في الحالات الأمنية أو تفوق للحالات الاجتماعية وما أحدثه ذلك من أثر على واقع المعتقل.

تبدأ معرفة الأسيرة بياسمين بعد الاستقبال بنداء الفجر الشهير، فهي تبدأ يومها الساعة 03:15 صباحًا بقيام الليل، ثم على موعد الفجر تنادي: “صبايا أذّن الفجر”، بصوت يشق هدأة الليل، مجددًا فينا العزم على الثبات، ثم تنادي على اسم أسيرة من كل غرفة لتتأكد من انتباه الجميع، وتستأنف يومها مع ساعة الرياضة الباكرة، تقدم خبرتها وخدماتها بكل تواضع تحت جناح بيان، أختًا كريمة، لا تأنف من التعاون بطيب خاطر، دؤوبة كالنحلة، سريعة الإنجاز، لا تكثر الجدال، تميل إلى الحلول أكثر من الوقوف عند المشكلة، أو من الوقوف عند مَن المخطئ ومَن المصيب، عفيفة اللسان، مترفعة عن الشتم والغيبة، تُسقط حقها دومًا، ولا يعنيها كسب المواقف.

تتميز ياسمين بتقبل للنقد بسعة صدر، لا يتغير لونها ولا قلبها، صاحبة ذوق عال في التعامل، تنزل الناس منازلهم، تكظم غيظها، تأسف إن أخطأت، وهذه ميزة أخرى فهي لا تأنف من الاعتراف بأخطائها أبدًا، وتسأل دومًا عن طريقة للتصحيح والإصلاح، تراجع بكل جرأة، وبصدق، وتأمل دومًا أن تجد مَن يرشدها ويأخذ بيدها ويكون ناصحًا أمينًا صادقًا لها.

النضج الذي اكتسبته مع طول الخبرة وما تخلله من تجارب صعبة؛ تُرفع له القبعة، تاريخ لا ينكره إلا جاحد أو غيور، كانت الأسيرات ستخسر لو لم تكن ياسمين في المكان الذي تقف فيه الآن.

لا تقل ياسمين عن بيان في الإيثار، تتنافسان وتتعاونان في المنافسة في الخيرات، تقتسمان طريق الإيثار، فآخر عهدي بياسمين حين أصرت على أن تقدم صور الأسيرات مع أهاليهن هدية على حسابها، وقد قبلت بيان ذلك في مقابل أن تقدم شيئًا آخر للأسيرات.
إذا كان السخاء يخفي بعض عيوب الإنسان كما يقال، فماذا يمكن أن نقول في الإيثار، عن البذل متعدد الصور؟

شخصيتان تستحقان السؤال عنهما دومًا وعن عائلتهما، وشد أزرهما بالدعاء، والاتصال على الإذاعة لأجلهما حبًا في الله فقط، تستحقان الإشادة، تستحقان الحفاوة.

يا هل ترى كيف كانت ستكون أيامي بدونهما؟ كيف يمكن أن نرى ما فينا دون مرآة الآخرين التي تكشف لنا تفوقهم علينا، وتمنحنا فرصة للتواضع والتعلم في مدرسة الحياة في السجن مع مَن كشفت لنا الأيام ما خفي عنهم؟ فالحمد لله رب العالمين على محنة منحتنا كل هذا الألق.

{والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون}

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك رد

إغلاق