مقالات رأي

ذكرى الجمالين.. لا زالت فينا

الكاتب |  فتحي محمد قرعاوي

أياما طويلة مضت رغم أنها في عمر الزمان قصيرة .. الا أنها لها ظلالها والتي لا يمكن أن تنقضي او تزول كيف لا وهي جزء من تاريخ أمة .. والجمالين جزء من قيادة أمة .. لقد تعدى تأثيرهما من مجرد مفكرين الى رمزين وقائدين.

نفتقد الجمالين اليوم ونحن في أمس الحاجة الى سيرة الرجال العطرة والى استذكار التاريخ الحي المليء بكل المعاني الإيجابية والرائعه .. أينما ذهبت وحيثما اتجهت فانك تشعر بالظمأ لتلك السيرة .. بحاجة الى القدوة الحسنة في كل الجوانب .. في مجال القيادة والتوجيه والعطاء والاقدام والجرأة والفداء وهذه قد لا تجدها في شخص رجل واحد الا أنك تراها واضحة في شخص الجمالين وفي الظرف الصعب.

جمال منصور .. تتعجب كيف يجد الرجل ساعة للراحة او للنوم وساعاته كلها مليئة مليئة وهو المتحدث اللبق الملهم في برنامج انتخابي وسرعان ما تراه على رأس مسيرة جمعت الكل الفلسطيني تجوب شوارع نابلس الى شخصية مركزية في اجتماع فصائلي للتخطيط لوضع سياسي سليم في ظرف حساس الى لقاء مع الصحفيين ووسائل الاعلام كل ذلك وغيره في زمن متقارب رغم أنه الأب والزوج ورب المنزل وكل ذلك لهم عليه حق.

وللشهداء مداعبات حيث تروي زوجة الشهيد السيدة ام بكر قائلة : لقد زارنا في اليوم التالي لزواجنا الشهيد يوسف السركجي على الفجر وقد كان معروفا بخفة ظله ومداعباته اللطيفة ولما فتح أبا بكر الباب وإذا بالشيخ يوسف يقدم له هدية عبارة عن ” حبة رمان” يناوله اياها ثم ينصرف.

أما أبو النور صلاح دروزة وهو المرافق الظل الملازم للشهيدين الجمالين والذي استشهد قبلهما بخمسة أيام فقد حزنا عليه حزنا شديداً لدرجة أن أبا بكر كان يشعر أن الدنيا كلها قد ضاقت عليه بما رحبت وذلك باستشهاد شقيق الروح أبا النور .. حتى أنه في أحد الأيام فتح الجوال على رقمه بعد استشهاده وتعجبت ام بكر وقالت له ماذا تفعل ؟ فرد بحزن شديد قائلا : إن الجوال لا يرد! ويجيبني لا يمكن الوصول ! لقد سبقنا الرجل .. والله انه احسن مني..!

وتروي ام بكر ان أبا بكر وقف طويلاً أمام صورة الشهيد إبراهيم بني عوده الذي استشهد قبله بأيام ثم قال مخاطباً “والله انك طلعت أحسن مني”.

وقته لم يكن له بل وحياته ليست له فالشهداء اصطفاء السماء .. واجتباء رب السماء جاءهم في الصباح الباكر ابنه بكر وقد كان طفلا صغيرا وقال له ” بابا .. حلمت الليلة أن الخلفاء الراشدين قد استشهدوا .. أطرق مليا ثم قال : إن شاء الله خير “وتحكي زوجته أم بكر عن حوار تمّ بينها وبين زوجها صباح يوم الاستشهاد: يقول جمال منصور لزوجته: أتدرين من اتصل بي الليلة؟ قالت: لا… مَن؟ فقال لها: إنه الشهيد صلاح الدين دروزة، لقد زارني في المنام متصلاً هاتفيًّا وقال: “إنني مشتاق إليك..”. وكانت شهادتهم واخوانهم ابوبكر وعمر منصور وعثمان قطناني والبقية الباقية من الشهداء الكرام في نفس اليوم.

رأى أحد مشايخ نابلس في المنام أن اثنتين من مآذن نابلس قد تهدّمت ونزلت على الأرض .. وفي اليوم التالي استشهد الجمالين.

أما عن ابي مجاهد فحدّث ولا حرج عن خلقه ولطفه وادبه الجم وعن سيرته العطرة كيف لا وهو أحد أعمدة الوحدة الوطنية هذه الوحدة التي ترنحت وتضعضعت بغيابه وعبث العابثون بها بعد استشهاده ولا زلنا ندفع الثمن.

آه أيها الجمالان … لقد اصبحنا ايتاما بعدكم .. نجتر سيرتكم ومواقفكم المشرفة التي لا ولن تنتهي ، كنت يوما في معبار سجن بير السبع ولفت انتباهي ما كُتب على الجدار وبخطٍ رائع وجميل تحت عنوان من أقوال المفكر القائد جمال منصور ، لم يكن معي ورقة ولا قلم ولكن كان في كل سطر فكرة وفي كل فقرة عبرة.

ألا انكم أيها الشهداء لازلتم فينا وبيننا أحياء نراكم ونستمع اليكم ولازال عز الدين وعبدالرحمن أحفاد أبي بكر يكررون عندما تسألهم “أين جدو جمال؟”.. فيقولا بلسان واحد ” هو في الجنة”.

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك رد

إغلاق