مقالات رأي
أخر الأخبار

القدس: منظومة الرقابة الاستعمارية ونقاطها الميّتة

الكاتب| ياسين صبيح

يستعرض هذا المقال مكوّنات المنظومة الأمنية الصهيونية وآليات القمع ووسائل المراقبة في القدس المحتلّة، ويقدّم تاريخاً لتحوّلات هذه المنظومة بعلاقتها بالهبة الشعبية و”العمليات الفردية”، مضيئاً على أداء هذه المنظومة من ناحية فاعليتها وقصورها.

مقدّمة عامة

يستخدم العدو الصهيونيّ مختلف أدوات القمع خدمةً لمخططه الاستعماريّ وبهدف إخضاع المجتمع الفلسطيني والتحكّم به واحتوائه. وتمثّل هذه السياسات، العنيف منها والناعم، امتداداً لتلك التي اتّبعها البريطانيون، مع تطويراتٍ مستمرّةٍ تتلاءم وتقدُّم تكنولوجيا حرب المعلومات والحاجة إليها. وعلى الرغم من فائض القوّة الصهيونية اليوم، تأتي هذه السياسات أيضاً تعبيراً عن القلق الصهيوني الدائم، وخير تجسيدٍ لهذا القلق هو مدينة القدس.

يوظّف الاحتلال في مدينة القدس شتّى أدوات الضبط والتحكّم التي تتراوح بين القمع المباشر والاعتقالات اليوميّة وهدم المنازل، إلى سحب الهويّات وفرض الضرائب والحيلولة دون منح تراخيص بناء، فضلاً عن توظيف مختلف أذرعه التعليميّة والجماهيريّة والخدماتيّة التابعة لبلديّة الاحتلال، ثمّ وقوفاً عند احتجاز جثامين الشهداء واعتقال ذويهم وهدم بيوتهم، وغيرها.

تهدف هذه السياسات بجوهرها إلى فرض سيادة العدوّ الكاملة على المدينة من جهةٍ، وتحييد أهلها عن المشهد السياسي والاجتماعي، من جهةٍ أخرى، من خلال تشويه وعيهم النضاليّ والسياسيّ ونزع فاعليتهم أو شلّ قدرتهم على تفكيك أدوات التحكّم هذه. ويُحتّم هنا القول إنّه لا يمكن لمصالح السلطة الاستعماريّة في القدس أن تتقاطع مع مصلحة الفلسطينيين فيها، فتلك المصالح محركٌ رئيسٌ لفرض هيمنتها على المدينة وأهلها.

ويأخذنا ذلك للحديث عن إحدى أهم ركائز عمليات القمع ومحاربة الفعل المقاوم ومعاقبة حاضنته؛ المراقبة. تعدّ المراقبة جزءاً لا يتجزأ من أيّة منظومةٍ قمعيّةٍ، توظّفها السلّطة القائمة في فرض هيمنتها وسيطرتها على المجتمع، يعرّفها البروفيسور “ديفيد ليون” بأنّها الاهتمام الكثيف بالتفاصيل بهدف التأثير والسيطرة والإدارة والتوجيه والحماية. وعادةً ما تلجأ السلطات إلى مؤسّساتٍ عسكريةٍ وتعليميّةٍ أو شركاتٍ تجاريّةٍ بهدف جمع المعلومات وتنفيذ آليات المراقبة؛ تحقيقاً للأمن والعقاب والسيطرة، بالإضافة إلى الربح، فيما اعتبر “فوكو” المراقبة الوسيلةَ التي توفّر للسلطة السيطرة بغرض تشكيل وإدارة المجتمعات.

وفي هذا السياق، يُمكننا تتبّع أساليب المراقبة التي اتّبعها المشروع الصهيوني بدءاً بما ورثته الحركة الصهيونيّة عن الإنجليز، والذين سهّلوا بدورهم عملها ومدّها بالدعم العسكري والمعلومات والتدريبات اللازمة. ومقابل استفادة الإنجليز من الاستخبارات الصهيونيّة والمخبرين العرب، استقت الحركة الصهيونية من الوثائق التي جمعها ووفّرها البريطانيون معلوماتٍ حول الحياة اليوميّة في فلسطين، من قوائم الضرائب وتفاصيل القرى والعائلات والمخاتير والوجهاء ورجال الدين، ومراكز القوى الاجتماعية والسياسية والإثنية والعادات والتقاليد، إضافةً إلى تفاصيل أعداد المواشي والمحاصيل الزراعية والإحصاءات السكانية والطبوغرافية. ساهمت هذه المعلومات، مع عوامل أخرى، في حسم حرب النكبة لصالح المشروع الصهيوني. كما سيطر العدوّ على أرشيف وسجلّات المخابرات الأردنية إبّان هزيمة حرب حزيران 1967، والتي احتوت على معلوماتٍ وبياناتٍ تفصيليّةٍ عن الضفة الغربية والقدس وقطاع غزة، سخّرها أيضاً في سبيل قمع المجتمع الفلسطيني وإدارته. ويُمكن القول إنّ المراقبة الحداثيّة اليوم هي امتدادٌ لعقلية المراقبة الاستعماريّة، وهي استمراريّةٌ للقديم بأدواتٍ حداثيّةٍ تتوافق مع ما تلبّيه الثورة التكنولوجيّة من قدراتٍ رقابيةٍ متقدّمةٍ.

صناعة الأمن التكنولوجي

ترتبط المنظومة الأمنية الصهيونية ارتباطاً وثيقاً ومتداخلاً بالقطاع التكنولوجي، وتشكّل شركات التكنولوجيا “الإسرائيلية” المتخصّصة بالمراقبة والصناعة العسكرية ركيزةً أساسيّةً في الصناعة الأمنية الصهيونية وعمل أجهزة الشرطة والمخابرات والاستخبارات العسكرية وحرس الحدود والشركات الأمنية. وبفعل تقدّم التكنولوجيا، تطوّرت أدوات الرقابة لتشملَ أدواتٍ حداثيةً مثل القرصنة والتنصّت على المكالمات واختراق الرسائل النصيّة والبريد الإلكتروني، إضافةً إلى توظيف الطائرات بدون طيّار والبطاقات البيومترية والروبوتات.

وتتولّى وحدة (8200)، وهي وحدة الاستخبارات المسؤولة عن التجسّس الإلكتروني، قيادة الحرب الإلكترونية في جيش الاحتلال ومهام المراقبة الشاملة. أُنشئت هذه الوحدة في عام 1952، وباشرت عملها بالاعتماد على معدّاتٍ أمريكيّةٍ بدائيةٍ. يكمن عملها في تقديم رؤيةٍ استخباراتيةٍ متكاملةٍ، بالاعتماد على أربعة ركائز استخباراتيّةٍ؛ وهي الرصد والتنصت والتصوير والتشويش، بالتكامل مع المعلومات التي تقدّمها المصادر البشرية وشبكة المتعاونين في الميدان. وتعترض هذه الوحدة المكالمات الهاتفية ورسائل البريد الإلكتروني الخاصة، وتراقب البثّ الإذاعي والتلفزيوني والصحف والمقالات الأكاديمية، كما تساهم في اعتقال العشرات بتهمة التحريض على مواقع التواصل الاجتماعي.

وعلى الرغم من هذه القوّة التكنولوجية والعسكريّة، لم تستغنِ منظومة العدوّ الأمنيّة عن أدوات السيطرة والمراقبة التقليديّة، كتسجيل السكّان ومسح الأراضي ورسم الخرائط، فضلاً عن جمع البيانات عبر شبكة العملاء والمتعاونين، لا سيّما في القدس.

تجارة الأمن

تنتفع المنظومة الأمنية الصهيونية، وشركاتُها الخاصة التجارية، من القمع، وذلك بجعلها الفلسطينيين حقلَ تجاربٍ ومختبراً لتطويرِ أدواتها وتقنياتها الحديثة في المراقبة والسيطرة والقمع، والتي تروّجها للعالم على أنّها مجرّبة، فضلاً عن التبادل المعرفي للمراقبة بين حكومات الدول ومخابراتها.

كما تستثمر المنظومة الأمنيّة الصهيونيّة مليارات “الشواقل” في القطاعات الاستخباراتيّة والعسكريّة وتقنيّات المراقبة والتجسّس، وتتعاون مع العديد من الشركات العالمية في هذا المجال. وتعتبر دولة الكيان رائدةً على مستوى العالم في تطوير وبيع تقنيّات وبرامج الكاميرات التلفزيونية المغلقة (CCTV) المرتبطة بتحليل البيانات عبر الفيديو واللاسلكي، مثل شركات (Vigilant) و(Verint) و(Sea Eye)، والتي أعلنت عن توفيرها لنظام كاميرات مراقبة يُمكنه اختراق الجدران.

كما أسّس جنودٌ وضباطٌ سابقون في وحدة (8200) أكثر من ألف شركة برمجةٍ تطبيقيةٍ وتطويريةٍ “إسرائيليةٍ” خاصّةٍ، يعمل فيها نخبة مهندسي ومطوّري البرمجيات الذين خدموا في وحدة الاستخبارات الإلكترونية، حسب تقديرات مجلّة “فوربس”. وتقدّم هذه الشركات حلولاً تجسّسيةً متقدّمةً، تدّعي القدرة على التنبؤ بالسلوك الفرديّ، والكشف عن “الذئب بملابس الأغنام”؛ أيّ المشتبه بنيته تنفيذ عملٍ مقاومٍ، عن طريق جمع وتحليل البيانات والمطابقة التحليلية للمعلومات بهدف إنشاء ملفاتِ تعريفٍ خاصةٍ بهم.

“منطقة القدس”

تعرض إحدى الفضائيات “الإسرائيلية” سلسلة (Jerusalem District) التلفزيونيّة، والتي تُقدّم لمحةً عن أنشطة ضبّاط الشرطة في وحدات الاستخبارات والمباحث وحرس الحدود في القدس المحتلة، وكيفيّة التنسيق فيما بينها، عبر كاميرات المراقبة المنتشرة في أحياء مدينة القدس وشبكة عملائها الميدانيين، لجمع المعلومات ومراقبة وإحباط عمليات شراء الأسلحة، ومحاولة توقّع العمليات الفدائيّة.

يروّج هذا البرنامج للمنظومة الأمنية الصهيونيّة ولوسائل المراقبة التي يتمّ توظيفها في القدس، ويصوّر الضبّاط كنجومٍ وأبطال، من خلال استعراض نجاحاتهم في عمليات الاعتقالات وإحباط العمليّات الفدائيّة ورصد الأسلحة وملاحقة تجار المخدّرات وقمع المظاهرات. كما يسعى البرنامج لإبراز الجانب الإنساني لضبّاط الأمن الساهرين على حماية أمن المستوطنين الصهاينة، في محاولةٍ لخلق التعاطف والتضامن معهم من جهةٍ، والاحتفاء بنجاعة وسائل وأدوات السيطرة التي توظّفها المنظومة الأمنية في القدس من جهةٍ أخرى.

لا يستهدف هذا البرنامج المستوطنين الصهاينة فحسب، بلّ يُمكن القول إنّه موجّهٌ للفلسطينيين بالدرجة الأولى، حيث يحاول توجيه رسالةٍ مفادها أنّهم على علمٍ بكلّ “ِشاردةٍ وواردةٍ” في القدس؛ على الجميع الحذر، فالجميع مراقبٌ. وتسعى هذه المحاولات في جلّها إلى تشكيل حالة رقابةٍ ذاتيّةٍ لدى الفلسطيني، والمقدسي على وجه التحديد، لزرع الخوف وفرض سلطةٍ ذاتيّةٍ تدفعه للتفكير قبل القيام بأيّ فعلٍ ضدّها، وبثّ معلوماتٍ، غير دقيقةٍ بالضرورة، تهدف لإثارة البلبلة والشك وزعزعة الثقة بين الناس. وليس هذا البرنامج المسرحي الأوّل من نوعه، إنّما يأتي ضمن محاولاتٍ مستمرّةٍ لبرهنة تمكّن الكيان من السيطرة على مدينة القدس.

ويُمكننا مقاربة تصميم سجن الـ”بانوبتيكون” (أيّ: مراقبة مركزيّة)، لمنظومة السيطرة الصهيونية الحداثية، وإن كان هذا النموذج يمثّل حالة السجن، إلّا أنه يعبّر عن منظومةٍ أكثر اتساعاً بمنهجيّتها في المراقبة. وينطلق هذا المفهوم من فكرة وهْم المراقبة الدائمة، وهو نموذج سجنٍ دائريٍّ يقع في منتصفه برجٌ للمراقبة، يراه جميع المساجين ولا يستطيعون معرفة إن كانوا مراقبين أم لا.

مشروع المراقبة المرئية “مابات 2000”

بدأ تطوير مشروع “مابات” في البلدة القديمة في القدس بين عامي 2005 و2012، و”مابات” هي الاختصار العبريّ لـ “مركز التكنولوجيا والمراقبة”، كما تعني الكلمة العبريّة “رؤية”، ويعدّ المشروع الأكثر شموليةً في البلدة القديمة وقلب منظومة المراقبة والتحكّم في القدس.

جاء هذا المشروع عقب اندلاع انتفاضة الأقصى، في محاولةٍ من الاحتلال لإحكام سيطرته على المدينة التي لطالما شكّلت مهداً للمواجهات والعمليات الفدائيّة. وعلى إثره، تمّ توزيع 400 كاميرا مراقبةٍ في البلدة القديمة متّصلة بـ 36 شاشةً، يُديرها 12 ضابطاً على اتصالٍ مباشرٍ بـ 800 عنصرٍ من الشرطة وحرس الحدود. كما أشرف ضباطٌ سابقون في وحدة الاستخبارات العسكريّة على تنفيذ المشروع، وتقاسمته مجموعة “مير”، لصاحبها وضابط المخابرات السابق “حاييم مير”، بالشراكة مع شركة “أثينا” التي أسّسها رئيس “الموساد” السابق “شبتاي شافيت”، والتي وفّرت أيضاً البرمجيات الضرورية لتنفيذ المشروع.

مشروع “مابات كيدم”

وعلى غرار مشروع “مابات 2000″، دخل مشروع “مابات كيدم” حيّز التنفيذ في عام 2014، بعدما صادقت الحكومة الصهيونية في حزيران 2014 على مخططٍ يهدفُ إلى ما وصفته بـ”زيادةِ الأمنِ الشخصيّ والتطويرِ الاقتصاديّ الاجتماعيّ في شرقيّ القدس في الأعوام ما بين 2014 – 2018″. ويتمثّل هذا المشروع بتركيب شبكةٍ من كاميرات المراقبة المتقدمة المغلقة (LPR) التي يمكنُها قراءة لوحات ترخيص المركبات الثابتة والمتحركة في شوارع البلدة القديمة.

وفي إطار المخطط ذاته، خصّصت الحكومةُ مبلغَ 200 مليون “شيكل” للتطوير الاقتصاديّ والاجتماعيّ لشرقيّ القدس من خلال تطوير البنية التحتية والتركيز على المراكز التعليمية والجماهيرية والشُرطيّة بهدف “أسرلة” المقدسيين وتشويه هويّتهم الوطنية. كما خصّصت مبلغَ 94.4 مليون “شيكل” لتعزيز أعمال الشرطة الأمنية والرقابية، وبذلك ظهر لدينا ما يُعرف بمشروع “مابات كيدم”.

انتفاضة القدس

عجزت هذه المنظومة عن توقّع الهبّة الجماهيرية الواسعة في عام 2014، والتي انطلقت في كافة أنحاء القدس إثر استشهاد الطفل محمد أبو خضير، وسرعان ما اتّسعت لتشمل الأراضي المحتلّة عام 1948 والضفّة المحتلة، بالتزامن مع الحرب في غزة. أظهر المنتفضون فيها وعياً سياسيّاً وأمنيّاً صلباً؛ فأغلقوا الشوارع الالتفافية وهاجموا حافلات المستوطنين والمراكز الجماهيريّة، فضلاً عن تكسير سكك القطار وكاميرات المراقبة وحرقها. ولم تتوقف الهبّة الجماهيرية عن ذلك، إنّما تبعتها سلسلةٌ من العمليات الفدائية “الفردية”، أشعلها الشهداء عبد الرحمن الشلودي وإبراهيم العكاري وأبناء العمّ عدي وغسان أبو جمل.

وفي عام 2015، وبعد يومين من تنفيذ عملية “إيتمار” الفدائية في نابلس، نفّذ الشهيدُ مهند الحلبي، من بلدة سردا شماليّ رام الله، عمليّةً نوعيّةً تمكّن فيها من الوصول إلى البلدة القديمة في القدس، وتحت أعين كاميرات المراقبة، مما أدّى إلى قتل مستوطنيْن واستشهاد الحلبي. فجّرت هذه العمليةُ سلسلةً من العمليات الفرديّة والمنظّمة، فكانت عمليات دهسٍ وطعنٍ مثل عملية الشهيد علاء أبو جمل والشهيد فادي قنبر، وعمليات اشتباكٍ مسلّحٍ مثل عملية الشهيد بهاء عليان والأسير بلال أبو غانم، والشهيد مهند العقبي، والشهيد نشأت ملحم، والأسيريْن محمد وخالد مخامرة، والشهيد محمد الفقيه، والشهيد مصباح أبو صبيح، وبعدهم الكثيرون. كما استُخدمت في بعض العمليات قنابلُ مصنّعةٌ محلياً مثل عملية الشهيد ضياء تلاحمة، إضافةً إلى عمليةٍ استشهاديةٍ نفذها عبد الحميد أبو سرور، والذي لا يزال جثمانه محتجزاً مع عشرات جثامين الشهداء في ثلاجات الاحتلال.

حول التمثيل بجثامين الشهداء باحتجازها

ارتبك العدوُّ أمام ما هو عصيٌّ على الضبط التام؛ وزعزعت “العمليّات الفرديّة” من قناعته بنجاحه في ضبط المشهد بفعل إحكام قبضته الأمنيّة على مدينة القدس، وبمساعدة التنسيقِ الأمنيّ بين الاحتلال والسلطة الفلسطينية، والتي ساهمت بدورها في منع العديد من العمليات الفدائيّة وملاحقة مصادر أموال المقاومة ومصادرة العشرات من قطع السلاح بحُجج فرض الأمن وسيادة القانون. كما عجزت المنظومة الأمنيّة الصهيونيّة عن منع وقوع مثل هذا النوع من العمليات أو التنبؤ بها، وفشلت مرّاتٍ عديدةً في الكشف عن مخططات تنفيذها، رغم نجاحها بتفكيك خلايا تنظيميّةٍ ادّعت تخطيطها لتنفيذ عملياتٍ.

كما عزّز الاحتلال قبضته الأمنية على القدس والضفة المحتلة، وأعاد تطبيق سياسة هدم منازل منفّذي العمليات واحتجاز جثامينهم واعتقال ذويهم وكلِّ من يشتبه فيه بتقديم أيّة مساعدةٍ لهم، ضمن سياسةٍ قمعيٍة شموليةٍ مستمرةٍ، “استراتيجيّة الإحباط الشمولي الموسّع”، والتي تتجاوز ردود الفعل ومحاولات التنبؤ بالعملية القادمة، وتسعى للعمل على المدى الطويل وفي مراحل مبكرةٍ.

مشروعُ تأسيس مركز قيادة موحدة – “مابات القدس”

في عام 2016، ضاعف الاحتلال أعداد عناصر الشرطة المنتشرة في المدينة وعزّز آليات المراقبة، ودخل مشروع “مابات القدس” حيّز التنفيذ، ويعدّ هذا المشروع أكثر تقدّماً وتطوّراً من سابقيه؛ إذ يربط مئات الكاميرات المراقبة (CCTV) بمركز مراقبةٍ رئيسيّ مقرُّه في مستوطنة “جيلو” جنوب القدس، يديره طاقمُ من شرطة ورجال أمن بلدية الاحتلال.

في مرحلتِه الأولى، تمّ ربطُ المركز بحواليّ 130 كاميرا تابعةً لوزارة الإسكان، ونحوِ 20 كاميرا تابعةً للجامعة العبريّة. ورَبَط في المرحلة الثانية ما يقارب 250 كاميرا تابعةً للبلدية، و75 كاميرا تابعةً لدائرة المواصلات في القدس، و20 كاميرا تابعةً لشركة “خطوط إسرائيل”. كما سيستكمل نشر 240 كاميرا على خطوط القطار الخفيف، و20 كاميرا في سلوان، و10 كاميرات في مركز تجمّع “شمعون هتصديق” الاستيطاني في الشيخ جراح.

كما واصل الاحتلال تطوير نظام المراقبة المرئية المتقّدمة في البلدة القديمة، واستثمر نحو 100 مليون “شيكل” في مشروعٍ جديدٍ يمنح الشرطة القدرة على التعرّف على الوجوه، أو إذا ما كان الشخص يحمل سلاحاً، ويوفّر ملفاتِ تعريفٍ كاملةً عن كلِّ من تلتقطه كاميراتُ هذا النظام.

انتفاضة القدس، مرةً أخرى

في 14 تموز 2017، تمكّن أبناء الجبّارين، من أم الفحم، من اقتحام إحدى أكثر المربعات الخاضعة للرقابة في القدس؛ المسجد الأقصى، وخاضوا اشتباكاً مسلّحاً في محيط المسجد مع شرطة الاحتلال، أسفر عن مقتل اثنين منهم وإصابة ثالثٍ واستشهاد “الجبّارين”. شكّلت العملية صفعةً قاسيّةً للاحتلال ومنظومته الأمنية، وأثبتت قدرة المقاومين الاستراتيجيّة والذكيّة في اختراقها. وعلى الفور، شرع العدوّ بفرض بوابات تفتيشٍ إلكترونيّةٍ وكاميراتٍ على المسجد الأقصى، والتي كان ردّ الجماهير المقدسيّة عليها سريعاً وعنيداً، ولم تتزحزح لمدّة 12 يوماً حتى تحقيق رغبتها في إزالة البوابات.

كما تلقّت منظومة الاحتلال الأمنيّة صفعةً أخرى في الأثناء، وجّهها شابٌ صغيرٌ من قرية كوبر شماليّ رام الله، اسمه عمر العبد، حين جاهر برغبته في الثأر للمسجد الأقصى، عبر منشورٍ على “الفيسبوك”. تمكّن العبد من تنفيذ رغبته فعليّاً بعد ساعتين من نشره وصيته، واقتحم مستوطنة “حلاميش” ونفّذ عملية طعنٍ أدّت لمقتل مستوطنيْن، وانسحب بعدها بسلامٍ، على الرغم من وجود مئات المتفرّغين والمختصّين في مراقبة وسائل التواصل الاجتماعية الذين يراقبون كلّ “شاردة وواردة” في الفضاء الإلكتروني الفلسطيني.

ولكن، لا بدّ من الحديث هنا عن دور الكاميرات في ملاحقة المقاومين المطاردين، سواءً الإسرائيلية أو الفلسطينيّة، والتي ساهمت بشكلٍ مباشرٍ، مع شبكة العملاء والمتعاونين، في العثورِ على المطاردين واغتيالهم، مثل الشهداء أحمد جرار وأشرف نعالوة وعمر أبو ليلى وصالح وعاصم البرغوثي. وجديرٌ بالذكر أنّ حملاتٍ شعبيةً مضادةً لتكسير وخلع الكاميرات قد رافقت حملات المطاردة.

“لنا في باب العامود حكاية”

تعدّدت الأسماء والباب واحد، لكنّه حافظ على اسمه الشعبي المتداول بباب العامود، هذا الباب الذي اكتسب اسماً إضافيّاً يعبّر عن مكانته ورمزيته خلال الهبّة؛ باب الشهداء. هو أحد أهم أبواب البلدة القديمة ومركزها الحيويّ، ينفذ إلى حاراتها وأسواقها، كسوق خان الزيت وطريق الواد، ومنه يتّجه المصلّون إلى المسجد الأقصى والقيامة. يعبره الآلاف يوميّاً، و لا يملّ أحدٌ أبداً من الجلوس على درجاته.

شكّل باب العامود، منذ بداية الصراع، ساحة احتجاجٍ رئيسيّة في مدينة القدس، شهد فيها على المظاهرات والاعتصامات والاشتباكات الشعبيّة بين الفلسطينيين وقوات الاحتلال. كما اختاره عددٌ من منفّذي عمليات الطعن ليكون آخر موطئ قدمٍ لهم، واستُتشهد العشرات في ساحته أو على درجاته، منهم من نفّذ عمليات طعنٍ وآخرين بحجة المحاولة. والمؤكّد أنّ الكثير من الدماء الزكيّة قد سالت فيه.

ولكلّ هذه الأسباب، أصبح باب العامود مركز هوس الرقابة الصهيونيّة، وتحوّل إلى بؤرةٍ أمنيّةٍ مكثّفةٍ، بعدما أحاطه الاحتلال بثلاث نقاط مراقبةٍ عسكريّة، إضافةً إلى كاميرات المراقبة التي تستهدف كلّ حركةٍ وسكون، أو صخبٍ وصمت.

كلمة أخيرة

على الرغم من التطوّر الكبير الذي تمثّله هذه المنظومة، التي تستخدم آخر ما توصّل له العلم والتكنولوجيا في مجالات المراقبة والتشبيك والسيطرة، إلّا أنّها، ولكونها نتاجاً للعقل البشري، سوف تبقى عرضةً للعقل البشريّ المضاد الذي يستطيع اكتشاف ثغراتها وعيوبها ونواقصها. وإذا ما اقترن ذلك بالإرادة، فسوف يكون بالمقدور اكتشاف الآليات القادرة على الالتفاف على هذه المنظومة وإحباط مفاعيلها وتجاوزها. بل بات بإمكان “البعض” تطوير أدوات الفعل المقاوم واستخدام هذه المنظومة للتحايل عليها وعلى مشغّليها، ونصب كمائن وتنظيم عمليات تضليلٍ لإرباك مستخدميها.

وأيّ حديثٍ عن السيطرة والتحكّم هو حديثٌ عن سيطرةٍ مؤقتةٍ، وأحدث دليلٍ على ذلك هو مسارعة شبّان العيساوية إلى تدمير وإحراق الكاميرات المنصوبة وأجهزة الرقابة، فور استشهاد الشاب محمد عبيد، بالإضافة إلى إحراق المركز الجماهيري التابع لبلديّة الاحتلال، والذي يعتبر إحدى أهم أدوات السيطرة والقمع الناعمة في المدينة.

كما أنّ تطوير المهارات الأمنيّة يتداخل ويتكامل مع تطوير المَلَكات والمهارات العدّة. وتشكّل حكاية الأسير المحامي طارق برغوث أحد الأمثلة على ذلك، من حيث معرفته المهنية والتفصيلية بأدوات التحقيق وآلياته وقدرته على الاستفادة من هذه المعرفة. وسبق وتولّى برغوت الدفاع عن الأسرى في محاكم الاحتلال العسكريّة، منهم إسراء الجعابيص والطفل أحمد مناصرة، وصدر حكمٌ للتوّ بحقه بالسجن ثلاثة عشر عاماً، بتهمة تنفيذ أربع عمليات إطلاق نار.

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك رد

إغلاق