مقالات رأي
أخر الأخبار

الدم الذي على شفرة البلدوزر

الكاتب| مهند أبو غويش

واحدة من أشد الصياغات إبهارا، للمسألة، تتلخص في مقولة كريستيان سالمون، محرر autodafé. الاقتباس غير حرفي: “الجغرافيا تحرك الحروب، لكن الحرب في فلسطين هي التي تتحكم بالجغرافيا”.

٢. لا أعرف، صراحة، من هو العبقري الأول الذي قال إن هدم مائة مبنى في وادي الحمص يمثل عملية الهدم الاكبر منذ احتلال 1967.

من غير المعقول مثلا أن ننسى أن اجتياح مخيم جنين قد أسفر عن تدمير ١٤٠ منزلاً بالكامل إلى جانب التسبب بالضرر لـ ١٥٠٠ بناية أخرى مذهل حقا أن ننسى أن جيش الاحتلال قد هدم، قبل خمسة سنوات فقط أكثر من ١٢٥٠٠ منزلاً بالكامل وأصاب بأضرار مختلفة ١٥٦٥٠٠ وحدة سكنية أخرى وفق تقييمات “محايدة” و “متواضعة” في تقرير مراقب الأمم المتحدة للشؤون الإنسانية في التقرير الشهري الصادر في آيار/مايو ٢٠١٥ حول مفاعيل العدوان على غزة.

انتبهوا جيدا الى ما يحصل في فلسطين: قبل عامين هدموا قرية ام الحيران. بعد شهرين ستهدم قرية سوسيا في هذه الأيام تسن البلدوزرات أسنانها لتهدم في وادي عارة فلسطين بأكملها تحت أسنان البلدوزر علينا أن نراجع دائما ما الذي نقوله عن أنفسنا ليس من المعقول، كرمى لعيون الخطابة المجردة، أن نغيّب جرائم الاحتلال في سبيل احتلال عناوين النشرات الآنية.

٣. سياسة التخطيط الحضري الإسرائيلية المتحيزة تستند إلى مقاربة طبية إذ غالباً ما تم إطلاق توصيف “سرطان ديموغرافي”/ ” سرطان عمراني” على بناء المنازل الفلسطينية وترى انتشاره مستهدِفا لإضعاف التماسك العضوي الصحيح للدولة العبرية.

سياسة التخطيط العمراني في الضفة، الموكلة بالكامل لإسرائيل، بفضل توقيع عرفات وشلته على ملاحق أوسلو، هي الضامن بأن جميع المنازل الفلسطينية التي بنيت منذ أوسلو ستكون مبنية بشكل يناقض للقانون الاسرائيلي، بما يحيلها إلى ورقة مساومة للفلسطيني على مسالة الثبات في حياته.

لنضف إلى هذا ربط خبز الفلسطينيين بالعمل في المستوطنات. إلحاق النظام الاقتصادي الفلسطيني بالإسرائيلي، التنسيق الأمني، تكريس المفاضلة ما بين غزة والقدس والضفة والأراضي المحتلة عام 1948 في الامتيازات، لكي نحصل على صورة واضحة: هذه حرب إبادة تشن على الشعب الفلسطيني من حيث كونه شعبا (قد ترافقها هنا وهنالك عمليات قتل وتصفية جسدية، لكن الأبرز فيها يتمثل في تحطيم البنى الأساسية التي من أسمنت و”أسفلت”، والنفسية المتمثلة في وحدة الإرادة) لتحولنا لاحقًا إلى كيانات بيولوجية منفصلة تبحث عن خلاصها الفردي.

٤. لا أدري حقا ما فضل الشمعدان على هذه الدولة ليصير رمزًا لها هذه دولة للبلدوزر فضل عليها أكثر بكثير من فضل كل شمعدانات العالم ومقاتلات اف ستة عشر.

أحد أهم أركان حرب “إسرائيل”، اريئيل شارون (وقد كان لقبه، بالمناسبة: البلدوزر) قال في مقابلة أجرتها معه “هآرتس” (٢٦.١.٢٠٠١) “سارد على إطلاق النار باتجاه مستوطنة غيلو بهدم الصف الأول من المنازل في بيت جالا.”

رد عليه المحرر: ماذا لو استمر إطلاق النار بعدئذ؟

– عند ذاك سأهدم الصف الثاني، ثم الثالث، وهلمجرا  أنا اعرف العرب جيدا إنهم لا يأبهون كثيرا بالأباتشي أو الصواريخ. ما يهمهم حقا هو منازلهم”

٥. ليس مهما حقا ما الذي يفترضه الإسرائيلي عنّا.

تذكروا وجوهكم جيدا في بيت ساحور في الانتفاضة. تذكروا دروس سلواد العنيدة في فتح الردم بالأصابع ومواجهة البلدوزرات بالإرادة الشعبية تذكروا العراقيب التي أعاد سكانها بناءها فوق الـ ١٢٠ مرة تذكروا الالتفاف حول عائلات الشهداء التي جرى هدم بيوتها.

الإسرائيلي يعرف الكثير عن “الفلسطيني الجديد”، ابن روابي والماصيون وابن الجهاز الأمني. المهم ما نعرفه نحن حقا عن أنفسنا.

٦. ملاحظة أخيرة مقدمة للفلسطيني الجديد المصدوم من “أكبر عملية هدم جماعي للمنازل منذ هزيمة ١٩٦٧”: ما لا يعرفه الاسرائيلي عنّا.. نحن الفلسطينيون غير القابلون للتجدد هو هذا: لا يهمنا كل الأسمنت وكل الردم. نحن سنسترجع كل فلسطين حتى لو استرجعناها وهي ركام.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك رد

إغلاق