مقالات رأي
أخر الأخبار

اكتشف شغفك

الكاتب| قاسم الشاعر

هذا المقال ليس للنصيحة، في النهاية لا أحد يتقبلها والكل يحب أن يرتكب أخطاءه بنفسه ويجرب خوازيقه الخاصة. وأنت محق في ذلك، لا تعلم من نصحك هل كانت نيته سليمة أم أنه حسود أو لا يريد زيادة المنافسة في مجاله أم أنه بسيط الفكر غير مطلع أو ربما لا يعلم ظروفك وقدراتك،، لذلك في الغالب أنت محق في عدم تقبلك النصيحة ولك حججك القوية.
إذن هذا المقال هدفه أن تعود له بعد حين وتعمل تاج لصديقك متحسرا، وأمد أنا رجلي وأقول مستمتعا “مش حكيتلك؟!”.

– القاعدة الأولى: لا يوجد تخصص أنت تحبه وترغب في التخصص فيه. سيبك من خراريف الشغف والطموح. أي تخصص أنت به معجب لا تعرف عنه سوى قشوره وبهرجاته. ولن تكون قادرا على معرفته حقيقة إلا بالتجربة.
وشغفك في الغالب تشكل بفعل الإعلام، أو إعجابا بشخص ما، أو أفكار غرست فيك حبا بأهلك أو عداء لهم.. في الغالب كلها أسباب غير موضوعية ,سطحية لا علاقة لها بشخصيتك وقدراتك وميولك ولا علاقة لها بطبيعة التخصص. لذلك الحديث عن (إلحق شغفك) وحقق طموحك لا معنى له.
المطلوب: اكتشف شغفك.

– لا تستطيع أن تتخيل ماذا تريد أن تكون في المستقبل، مهندسا مدنيا، أم طبيبا جراحا أم مبرمج حاسوب. لأنك لا تعرف ما هي هذا الوظائف. لكن.. قد تستطيع أن تعرف ما نوع البيئة التي ترغب أن تكون فيها، وما طبيعة الوظيفة التي تحب أن تمارسها، وما نوع المهارات التي تمتلكها، والمقومات الشخصية فيك.. وترى أي تخصص يلائم هذه السمات الشخصية.
مثلا لو كان معدلك 99.7%، لكنك لست اجتماعيا ومهاراتك التواصلية ضعيفة ولا تحب التعامل مع الناس الأصحاء -ما بالك المرضى- وتقرف من الأعمال اليدوية.. كيف تريد أن تكون في مهنة الطب؟!
لو كنت تحب العزلة ولك عالمك الخاص ربما يناسبك العمل مستقبلا في مجالات فيها تواصل اجتماعي أقل.
هل تحب العمل المكتبي، أم العمل الحر، هل تريد العمل في الشارع أم تحت المكيفات، هل تريد عملا مريحا لساعات قليلة أم أنت مستعد لوصل ليلك بنهارك.
إن لم تكن تمتلك حسا فنيا -مثلي أنا- كيف تريد أن تكون مهندسا معماريا؟
المطلوب: اعرف نفسك، اعرف قدراتك، اعرف سماتك الشخصية وما تحب وما تكره، وما ترغب من حيث ساعات العمل وبيئته ومكانه وظروفه واجتماعيات… وانظر أي تخصص سيكون الأقرب لك بناء على ذلك.

– أتفهم رغبتك في أن تكون “عصاميا”. وكلنا نعرف كيف يرغب كل شاب أن يخرج عن إطار أهله وأن يتمرد عليه، وأن لا يشعر أنه تحت ظلهم.. أتفهم كل ذلك.
لكن ستأتي عليك أيام بعد سنوات طويلة من الدراسة، والفشل في إيجاد فرص العمل كمهندس ناجح، أو العمل بألف وخمسمئة شيكل.. حتى تصل لقناعة أنه (مش عيب تشتغل مع أهلك). فتعود للعمل مع أهلك بعد أن ضيعت سنوات وأموال.
انظر إلى الفرص المحيطة بك، هل لدى العائلة “مصلحة” وشغل؟ لا أقول لك لا تدرس، لكن استثمر هذه الفرصة. مثلا لو لكم مصلحة في أي مجال، ربما دراستك للمحاسبة حتى في كلية سنتين قد تنفع عملكم وتطوره، لو لكم اسم في سوق المحاماة ربما دخولك القانون سيكون خيارا مقنعا، لو لكم محل حلويات لا مانع أن تحافظ على المهنة وتستمر في العمل مع الأهل ثم تستفيد من تخصصك بما يطور هذه المهنة أو تدخل تخصصا -جامعة أو كلية- يعينك فيها. لو كنتم تجارا لا ضرورة لأن تدرس الهندسة والطب حتى يقال عنك (الديكتور) ثم تعود بعد 20 سنة من الطب للتجارة، لتصير الدكتور التاجر فقط!
ليس عيبا أن تستفيد من الوضع القائم، ومن وضع عائلتك ومهنتها.. ولا تعارض بين التعليم والعمل في مهنة الأسرة. لو استطعت التوفيق فلا تكبر راسك،، هيك انت مستقبلك متأمن!
أما لو كنت فعلا لا تستطيع اكمال هذه المهنة ولا الاندامج فيها فالقول مختلف.

– أفهم أن الأهل لا يحق لهم إكراهك على تخصص، ونظرة المجتمع لا يجب أن تكون الحكم الأول والأخير.
لكن رأي الأهل مهم، فهم خبروك ويعرفونك وبعضهم لهم تجربة تمكنهم من إعطاء نصيحة منطقية، أو على الأقل مخلصة.
والمجتمع نظرته مهمة، وما له وزن في المجتمع يستحق أن يُعطى أولوية، في النهاية المكانة المجتمعية ستكون مفتاحا لكثير من الأبواب في المستقبل. ضع ذلك في حسابك لكن لا يكون فقط هو ما يحدد مصيرك.

– مهما حاولت وقاربت واستشرت واستخرت. ستخطئ. وستدخل تخصصا لا تجد نفسك فيه. وستكتشف بعد سنة أنك في غير مكانك. كن مستعدا لتقبل ذلك والتراجع في أسرع وقت!!
ليس عيبا أن تحول تخصصك، خوفا من قول المجتمع: “فشل في تخصصه عشان هيك حول”. بعد دخولك الجامعة ستصبح أكثر قدرة على الحكم، ومعرفة ميولك، وفهم التخصصات لتعاملك مع أهلها، وفهم حاجة السوق وتحديد غايتك في الحياة. لذلك ستكون أقدر على ايجاد مكانك الصحيح.
لا تعتبر نفسك فشلت، اعتبر أنك بذلت سنة في سببيل اكتشاف طريقك الأنسب والتخصص الأمثل لك. بالمناسبة، قصص النجاح والتميز عند من غير تخصصه بعد دخوله الجامعة أكثر من أن تُحصى وفعلا نفخر بها، في الغالب هذه الشخصيات تكون الأنجح. لأنها فعليا عرفت ما تريد، واختارت بعد نضج، وكانت جريئة لتخالف نظرة المجتمع..
المطلوب: لو اكتشفت أنك في غير تخصصك،، حول بلا خوف! لا تخش شيئا!!
لكن تذكر (مين نقّلت ما بقلت)،، من حول الكثير من التخصصات في الغالب المشكلة فيه لا في التخصصات. يفضل تترك الجامعة وتريحنا

– ثم،، كل التحية لأهلنا الخلايلة، من يعرفون أن سوق العمل ليس مرتبطا في الجامعة. فلا مانع لهم من خروج ابنهم من المدرسة لو لم يكن (تاع دراسة) ويدخل سوق العمل. التجارة لا تتطلب دراسة. والمهن اليدوية دخلها أفضل من التعليم، والطلب على الموسرجي والقصير والبليط والميكانيكي أكثر من الطلب على المهندس، والسوق ما زال مفتوحا. جاءنا من أصلح لنا الثلاجة بعشرة دقائق وأخذ 120 شيكل!
والله لو ما شغفك التعليم إنك بتضيع وقتك لو دخلت جامعة ووبتحرق مصاريك.. استعمل شيئا من هذا المال لفتح مصلحة. أو لا مانع من الدراسة لتوسع مداركك والعمل لتؤمن مستقبلك.

في النهاية،، الحكي ما بخلص،، وكل واحد رح يعطيك نصيحة،، وإنت ما رح ترد.
الملخص: اعرف إنك ما رح تختار صح، وتقبل ذلك. كون جريء إنك تغير تخصصك بعد أول سنة لو ما لقيت نفسك فيه. وكون جريء إنك ما تدخل جامعة لو ما بدك، وكون متواضع إنك تشتغل مع أهلك لو في مجال. ولا تعارض بين كل هاد وبين التعليم..

وننتظر أن لا تسمعوا لنصيحتنا لنقول لكم بعد حين: “مش قلتلك”!

– إعادة نشر الكلام في الموسم الذي لا يسمع فيه أحد أحدا.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك رد

إغلاق